إعداد حلا الشام
❜ يُحكى أنه في إحدى الليالي جلس رجلٌ في ساحة الانتظار في المطار لعدّة ساعات في انتظار رحلته، وأثناء فترة انتظاره ذهب لشراء كتابٍ وكيسٍ من الحلوى ليقضي بهما وقته.
ولمّا ابتاع حاجته، عاد إلى الساحة وجلس، ثمّ بدأ يقرأُ الكتاب وبعد أنْ انهمكَ في القراءة شعر بحركةٍ بجانبه، فإذا بغلامٍ صغير جالسٍ إلى جانبه، مُمسكاً بيدهِ قطعةً من كيس الحلوى الذي كان موضوعاً بينهما.
اِستاءَ الرجلُ مِن تعدّي الغُلام على كيس الحلوى الخاصّ به دون استئذان، وقرّر أن يتجاهله في بداية الأمر، ثم أخذ قطعةً من كيس الحلوى دون أن يلتفت إلى الغُلام، لكنّه شعر بالاِنزعاج عندما تبِعَهُ الغلام بأخْذ قطعة حلوى أخرى، فنظر إليه نظرة جامدة، ثم نظر إلى الساعة بنفاد صبر وأخذ قطعةً أخرى، فما كان مِن الغلام إلا أنْ سارع بأخذ قطعة من الكيس في إصرار !!
حينها بدأت ملامحُ الغضب تعلو وجهَ الرّجل، فهمسَ لنفسه قائلاً: “لو لم أكن رجلاً مهذباً لمنحتُ هذا الغلام ما يستحق في الحال”.
وتكرر الحال أكثر من مرة، فكلّما أكل الرجلُ قطعةً من الحلوى، أكلَ الغلامُ واحدةً أيضاً، وتستمرّ المحادثة بين أعينهما (اِستنكارٌ من الرجل الكبير ولا مبالاة وهدوء من الغلام الصغير)، والرجلّ متعجّبٌ من جرأة الغلام ونظراته الهادئة البريئة، ثم إن الغلام، وبهدوء وابتسامة خفيفة، قام باختطاف آخر قطعة من الحلوى ثم قسَمها إلى نصفين، فأعطى الرجل نصفاً منها بينما أكل هو النصف الآخر.
ُذُهل الرجل ونظر لثوانٍ إلى الغلام وهو لا يصدّق ما يرى، ثم أخذ نصف القطعة بتوتّرٍ وانفعال شديد وهو يقول في نفسه: “يالها من جرأة، إنه يُقاسمني في كيسي وكأنه يتعطف علَي! حتى أنّه لم يشكرني بعد أن قاسمني فيها! ”
وبينما هو يفكّر في جرأة هذا الغلام ونظراته الهادئة إذ به يسمع الإعلان عن حلول موعد رحلته، فطوى كتابه في غضب وحمل حقيبته ونهض متجهاً إلى بوابة صعود الطائرة من دون أن يلتفت إلى الغلام، وبعدما صعِد إلى الطائرة واستقرّ في مقعده، أراد أن يضع كتابه، الذي قارب على إنهائه، في الحقيبة.
ولمّا فتح الحقيبة صعِق بالكامل! حيث وجد كيس الحلوى الذي اشتراه مازال موجوداً في الحقيبة، كما هو لم يُفتح بعد !!
فقال مذهولاً: “يا إلهي!! لقد كان إذاً كيس الحلوى ذاك لهذا الغلام”.
عاد واسترجع في ذهنه نظرات الغلام الهادئة البريئة، وثقته وهو يأخذ قطع الحلوى من الكيس، وأنه كان ينتظر في كلّ مرّة حتى يأخذ الرجلُ قطعةً، فإذا أخذ، تبِعه وأخذ وراءه قطعة أيضاً وكيف قاسمه آخر قطعة بابتسامة بريئة.
فحينها أدرك متألّماً أنّ كلّ ما غضب من الغلام بسببه قد فعله هو نفسه !!
وأدرك كم كان سيء الظن بالغلام !!
وكم كان أنانياً حين غضب من مشاركة الغلام حلواه !!
وكم كان الغلام كريماً حين لم يغضب من مشاركته حلواه بل قاسمه إياها بطيب نفس !!
فوضع رأسه بين يديه في أسىً وهو يقول: “لعلّك تعلّمتَ اليوم أيها العجوز من هذا الفتى الصغير إحسان الظنّ بالآخر واِلتماس الأعذار.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
