فلسفة الالم في لوحة الطفل الباكي ( the crying boy)

للرسّام العالمي جيوفاني براكولين(1911 – 1981)

بقلم الدكتورة: بهية أحمد الطشم

يُوجز صاحب كتاب “دمعة وابتسامة” جبران خليل جبران فلسفة الحياة  بأنّها مزيج من الدموع والابتسامات, فالدموع هي مطافىء الحُزن الكبير.

وغالباً ما تُصقل دموع المعاناة النفوس المُرهفة وتُسكّن الآلام وتبعث فيها الحرارة ,وتحلّ فيها المعاني القُدسيّة لتشدّ أزرها في اقتحام معارك الحياة.

ولعلّ الألم الذي يفوق آلام البشرية برمتّها هو آلام الأطفال  ودموعهم  المعبّرة عن مبلغ أحزانهم لأنهم بمثابة الحلقة الأضعف  في سلسلة الحياة.

وفي هذا الصّدد تندرج الأيقونة التي نحن بصددها والموسومة بلوحة الطفل الباكي ,وهي من اللوحات الأكثر تاثيراً  في العالم لجهة عُمق المعاني الانسانية التي تنطوي في حناياها.

لقد خطّ براكولين لوحته التي ما زال التاريخ يذكرها , والتي اتخذت منحى انساني وعمق درامي ,فصبّ كل عبقريته في خطوطها وألوانها ,والأمر عينه بالنسبة لاحساسه ,فالصورة لم تكن من وحي الخيال,حيث أنّ   وجه الطفل لامس  أحاسيس الرسّام  , وعمل على اماطة اللثام عن قمة التعاطف في معالم شخصيته.

صاحب اللوحة الذي وُلد في البندقبة  في ( ايطاليا) ,ثم غادر الى اسبانيا ,وكان قد شهد على ويلات الحروب ومآسيها,الأمر الذي ترك أثراً بارزاً في نفسه وفي لوحاته على حدٍ سواء.

وكانت حياة الرسّام  كناية عن كتلة من الغموض ,ووسَمَت حياته مختلف الانطباعات المنبثقة من لدًن لوحاته  للأطفال الباكية ,التي انفرد بها ورسمها  بشكلٍ مُتقن,والتي غالباً  ما كانت تُخفي بين خطوطها وألوانها اسقاطات نفسية عند صاحب الريشة المُرهفة.

وكأنّ الرسّام قد أراد – من خلال لوحته سيّما بعدما   شهِد على احداث الحرب العالمية الثانية أن يوجّه رسالة ضد الحروب وهي  المسبب الأكبر لبكاء الأطفال وتشريدهم وقتل ذويهم في خضّم المعارك الدموية…

اذاً,تقبّل الدموع  أجفان عيوننا ,ونشعر بالألم العارم لرؤية الطفل الحزين في الأيقونة تماماً كما نشعر بالألم ذاته عند رؤيتنا لطفل يبكي بحرقة في واقعنا ,وتجدر  الاشارة الى أنّ الموناليزا لدافنتشي لم تكن اللوحة الوحيدة التي حيّرت أدباء عصرها والمتأمّلين فيها,وأبهرت العالم بأسره .

ذلك أنّ الأمرعينه ينطبق على لوحة الطفل الباكي , والتي تنطوي على الكثير من الأسرار الحزينة المنهمرة من عيون المخلوق البريء في عالم زاخرٍ بالتناقضات  والمفارقات والموت المتعد الوجوه وتسِمه العدالة الكرتونية.

وقد لمعت فكرة رسم الطفل الباكي في ذهن الرسّام في ثلاثينيات القرن الماضي  حينما كان يسير في أحد شوارع روما, وفجأةً وقعت عيناه على صغير يجلس على ناصية أحد الأرصفة وعيناه مترقرقة بالدموع,فحُزن الطفل اليتيم والجائع( نجم اللوحة) هو الذي حرّك ريشته بعظيم التأثير ,ليرسم البورتريه بفائق الدقة مع بروز الألوان الدافئة في تفاصيل الأيقونة .

اذا,تختصر لوحة الطفل الباكي بحالته الانفعالية المُفرطة للطفل اليتيم ملايين الأطفال  التعساء في العالم عبر الارهاصات والأزمنة ونستذكرها في الراهن المعيوش ببالغ الأسف.

وفي الخلاصة ,نلتمس حكمة ساطعة  من جنون عاصفة الحزن في القلب البريء:

ما أروع أن تستثير دموع الطفل الباكي ودموع الأطفال بالاجمال و(التي نحبّذ  تلاشيها) في العالم سعينا الدؤوب لابدال دموع الحزن بدموع الفرح  بكل ما أوتينا من حُب  ,فأطفال اليوم هم رجال ونساء الغد, واشراقة الأمل تخفف الدمعة التي يُسقطها الحُزن,لكي يغدو  خطاب العالم برمّته لغةً ناطقةً بالسّلام.

شاهد أيضاً

النائب الحاج محمد رعد: “حساب القناصين لحاا … وللغدر القوٌاتي حسابه”

  مصطفى الحمود *حساب القناصين لحال.. وللغدر القوّاتي حسابه.. لن نندفع لحرب أهلية ولن نهدد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.