٣٩ عاماً على رحيله..

 

السنباطي من “بلبل المنصورة”
إلى “ثنائي الشرق” مع أم كلثوم(٢/١)

زياد سامي عيتاني*

تمر اليوم (١٠-٩-١٩٨١) ذكرى الموسيقار الكبير رياض السنباطى، أحد أبرز الموسيقيين العرب، والمتفرد بتلحين القصيدة العربية، وواحداً من أبرز الذين لحنوا لكبار نجوم الطرب.

إن الاحتفاء بذكرى السنباطي ونحن في القرن الواحد والعشرين، هو من منطلق الحرص على الحاضر والمستقبل، وليس فقط على سبل الإفتخار بالماضي، لأنه شكل مدرسة موسيقية خاصة جمعت بين الأصالة والحداثة مع المحافظة على هوية الموسيقة الشرقية، فيكفى الموسيقى فخراً وجود إسم بين صناعها بحجم المبدع والعبقرى رياض السنباطي، الذى أبدع فى ألحانه ونوع فيها بدرجة تحمل قدراً كبيراً من المفاجآت فمن يسمع “الأطلال” ولحنها الشجي الموجع يذهل عندما يعلم أن صاحب هذا اللحن هو من أبدع أيضا فى لحن أغنية “يا ليلة العيد”…
****
•النشأة والتأثر الموسيقي:
نشأ رياض السنباطي في أسرة متدينة في مدينة فارسكور بمحافظة دمياط، وكان والده مقرئا تعود الغناء في الموالد والأفراح والأعياد الدينية في القرى.
فتفتحت أذنا الفتى الصغير على أبيه وهو يعزف على العود، ويغني الغناء الأصيل والتواشيح الدينية، فلما بلغ التاسعة من عمره، ضبطه والده عند جارهم النجار هارباً من المدرسة، يضرب على العود ويغني بصوته أغنية “الصهبجية” لسيد درويش فطرب لصوته، وقرر أن يصطحبه معه للغناء في الأفراح، وكان ذلك خاتمة عهد عصر سلامة حجازي وفاتحة عصر سيد درويش.
لم تطل إقامة الشيخ السنباطي الكبير في فارسكور، فنزح إلى مدينة المنصورة عاصمة الدقهلية وألحق إبنه بأحد الكتاتيب، ولكنه لم يكن مقبلاً على الدرس والتعليم بقدر إقباله وشغفه بفنون الموسيقي العربية والغناء.
****
•المرض سبب تعلمه الموسيقى:
أصيب رياض وهو في التاسعة من عمره بمرض في عينه، أحال بينه وبين الإستمرار في الدراسة، وهو ما دفع بوالده إلى التركيز على تعليمه قواعد الموسيقى، وإيقاعاتها. وقد أظهر رياض استجابة سريعة، وبراعة ملحوظة، فاستطاع أن يؤدي بنفسه وصلات غنائية كاملة.
أصبح السنباطي نجم الفرقة ومطربها الأول وعرف باسم “بلبل المنصورة”، وقد إستمع الشيخ سيد درويش لرياض فأعجب به إعجابا شديداً، وأراد أن يصطحبه إلى الإسكندرية، لتتاح له فرص أفضل، ولكن والده رفض ذلك العرض بسبب إعتماده عليه بدرجة كبيرة في فرقته.
****
•أستاذ في معهد الموسيقى:
في عام 1928 كان قرار الشيخ السنباطي الأب بالانتقال إلى القاهرة مع إبنه، الذي كان يرى انه يستحق أن يثبت ذاته في الحياة الفنية، مثله مثل أم كلثوم التي كان والدها صديقاً له قبل نزوحه إلى القاهرة.
في ذلك العام بدأ السنباطي مرحلة جديدة من حياته، إذ تقدم بطلب لمعهد الموسيقى العربية، ليدرس به فاختبرته لجنة من جهابذة الموسيقى العربية في ذلك الوقت، إلا أن أعضاءها أصيبوا بنوع من الذهول، حيث كانت قدراته أكبر من أن يكون طالباً، لذا فقد أصدروا قرارهم بتعيينه في المعهد أستاذا لآلة العود والأداء.
****
•التفرغ للتلحين:
ومن هنا بدأت شهرته واسمه في البروز في ندوات وحفلات المعهد كعازف بارع. ولم تستمر مدة عمله بالمعهد إلا ثلاث سنوات، قدم إستقالته بعدها، حيث كان قد إتخذ قراره بدخول عالم التلحين، وكان ذلك في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي عن طريق شركة “أوديون”للاسطوانات التي قدمته كملحن لكبار مطربي ومطربات الشركة ومنهم عبد الغني السيد، ورجاء عبده، ونجاة علي، وصالح عبد الحي.
فبدأ نجمه يصعد في مجال التلحين، حيث صار لاحقاً يلحن لكبار الفنانين في تلك المرحلة، من أمثال أم كلثوم، ومنيرة المهدية، ومحمد عبد المطلب.
****
•مدرسة موسيقية خاصة:
شكل السنباطي مدرسة خاصة في الموسيقى العربية ، منذ بداية تلحينه للقصيدة بالمدرسة التقليدية، حيث وقف السنباطي على أساس متين، فهو مستوعب تماماً لأصول الغناء الشرقي الكلاسيكي، دارس متمكن لفن الموشح، حافظ لعدد كبير من أدوار القدماء، يحمل تقديراً كبيراً لسيد درويش، وهو عازف عود مقتدر، لكنه بدأ مسيرته وفق الترتيبات المستجدة التي حكمت المشهد الغنائي والموسيقي.
وعليه، ألزم السنباطي نفسه بطريق صعبة، وإتخذ سبيلاً يرفض الإستسهال، وأصر أن يكون إبداعه وفق القواعد، وأن يكون جديده مراعياً للأصول. لم تعرف موسيقاه تلك العداوة المزعومة بين التعبير والتطريب، ولا بين إشباع الجمهور والارتقاء بالفن. كان صاحب القفلات الفخمة المحبوكة، التي تهتز لها الأفئدة، وتصفق لها الكفوف، إذ كان يبدأ السنباطي المقطع ويسير به في طريق النغم وفق منطق يرضي العقل والقلب، ويظل مصراً على التسلسل “المنطقي” إلى أن يصل إلى ذروته بقفلة مشحونة بطرب كثيف دسم، لا يستطيع معه الجمهور أن يبقى على سكونه.
ومع ذلك، كان له نصيب من “التغريب المدروس”، إذ من الصعب أن تنسب ألحانه إلى الكلاسيكية الخالصة.
فإذا أخذنا قالب “القصيدة” مثلاً، وهو القالب الذي كان ميداناً لسيادة السنباطي وريادته، فيمكننا أن نرصد أثر الموجة التجديدية التغريبية متمثلاً في البناء الدرامي الذي يقدمه السنباطي. فالقصيدة الغنائية بهذه الصورة لا تنتمي إلى القصائد الكلاسيكية في طرب عصر النهضة، حيث كان اللحن مجرد إقتراح لمسار مقامي يتمسك به المطرب، مع حرية كبيرة في التصرفات والتقطيع والتكرار. وأيضاً يختلف البناء الدرامي للقصيدة السنباطية عن قصائد الشيخ أبو العلا محمد، رغم الإتفاق في الإنضباط اللحني والإيقاعي.
صحيح أن السنباطي تأثر في بداية تلحينه للقصيدة بالمدرسة التقليدية، كما تأثر بأسلوب زكريا أحمد، لكنه أخذ عن عبد الوهاب الطريقة الحديثة التي أدخلها على المقدمة الموسيقية، حيث إستبدل بالمقدمة القصيرة أخرى طويلة. كما كان من أوائل الموسيقين الذين أدخلوا آلة العود إلى “الأوركسترا”.
****
-يتبع: رحلته مع أم كلثوم.
*إعلامي وباحث في التراث الشعبي.

شاهد أيضاً

🔴نيويورك تايمز تكشف تفاصيل مثيرة عن عملية اغتيال “أبو البرنامج النووي الإيراني”

باريس _ عيسى ريشوني كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” تفاصيل مثيرة حول عملية قتل العالم النووي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.