الروائيون إنْ أجبروا على اعتزال الورق

ضحى عبدالرؤوف المل

تجاوزنا الكثير من المحن الكتابيَّة في ظل الظروف الاقتصاديَّة وغلاء المعيشة التي زادت من متاعب الراوي، بل ووضعه على خارطة الاعتزال والتوقف عن الكتابة الورقية أو الإسراف بالحبر الذي ما عاد يمكن الحصول عليه إلا بالعملات الأجنبية التي تصرخ في وجه العملة المحلية التي تقهقرت وانزوى معها الراوي تحديداً، فكاتب النص أو المقال ما زال يسبح في المواقع الالكترونيَّة، وبعض الجرائد الورقيَّة التي تقاوم غلاء الورق والحبر. أما الراوي أو القاص فما زال في حيرة من أمره وأسعار الكتب تتخطى ما هو مقبول.منذ توقف الكثير من الجرائد الورقية عن الصدور زادت المخاوف أكثر فأكثر وكثُرت التساؤلات عن مقاومة الكتاب لفقدان الورقي إلى أنْ تغيرت الأوضاع الاقتصادية حتى بات من المستحيل دفع تكاليف رواية مطبوعة أو أي كتاب ورقي جديد حتى في ظل غياب معارض الكتب بعيداً عن غلاء الأسعار، فضلاً عن النفور من قراءة الكتب الالكترونيَّة التي زادت من مشكلات الرواة الجدد الذين تسرب إليهم اليأس في ظل عدم قدرتهم دفع تكاليف الطباعة والنشر.فهل ستتغير النظم الكتابيَّة التقليديَّة وسيصبح الكتاب الصوتي هو المسيطر على القارئ أو الأحرى على المستمع؟وهل ستزدهر الرواية الصوتية لتصبح مع حكواتي عصر ما الحداثة؟إنَّ الاختلافات التقنية في العصور كافة لم تصل الى هذا الحد رغم كثرة الحروب، ومنها الحرب العالمية الأولى والثانية، ومع ذلك استمر الكتاب الورقي على رفوف المكتبات معززاً مكرماً منتظراً أنْ تتناوله أيدي القراء ويشتروه بثمن مقبول. أما اليوم فبات الحصول على رواية ورقية من المستحيلات او لخاصة الخاصة من الأغنياء فقط حتى الأرصفة ما عدنا نشهد على وجود الكتب المرمية عليها والتي كانت تلفت انتباه المارة. وما بين اللغة السمعية والبصرية عوالم مختلفة تتنافس مع بعضها البعض لتسيطر على الحس، وبفهم عميق لبنية النص المراد تحويله الى مسموع أو مسموع مرئي عند تطبيقه على فيديو ورميه على التيك توك أو اليوتيوب.فهل هذا الصوتي المسموع فعالٌ في عالم الرواية، وهل الراوي سيستطيع البقاء في ظل هذه المتغيرات الكتابية وهذا الغلاء الورقي؟تنقلنا الرواية المسموعة بشكل نمطي إلى مؤثرات الصوت وأهميته في خلق صورة مختلفة عن قراءة بالعين اعتاد عليها القارئ بصمت. فالمفارقات بين المسموع والمقروء كثيرة وما بين الكتاب الورقي والكتاب الالكتروني اختزالات في التكاليف الباهظة ورقياً. والسؤال الأهم هنا هل ستبقى اللغة الأدبيَّة مثاليَّة صوتياً أم أنَّ الراوي يمكنه انتزاع ما يريد منها تحت عدة مسميات، ومنها التحرر من قيود المراقبة وخطر الحذف لأي جملة ابتعدت عن الأدبيات الأخلاقيَّة؟ وفي ظل أي ظروف واقعية يمكن الحديث عن الأدب واللغة المثالية فيه؟وهل من لغة مهذبة يلتزم بها الرواة في خطابهم الأدبي؟أم أنَّ التيك توك واليوتيوب سيشهدان ولادة الأدب الصوتي أو الأحرى الرواية الصوتية وفائدتها في مقاومة غلاء الورق وعدم القدرة الكتابية بالحبر.في الواقع لا أدري ما الذي جعلني أسأل هذه الأسئلة، ونحن اليوم نكتب الأحرف المطبوعة على شاشة المحمول بعيداً حتى عن الكمبيوتر أو اللاب توب، وبات بإمكان الكاتب تسجيل ما يخطر بباله على تسجيل صوتي يحتفظ به الى حينه بعيداً عن جعلكات الورق ورميها على الأرض كما في السابق حيث اشتهر بهذا السلوك الكثير من الكتاب الذين لم يهتموا يوما بالحالة الاقتصادية، إذ لم يصدف لهم إلا الولوج الى الآلة الكاتبة والتي تعتمد ايضا على الورق والحبر. فهل قيود الغلاء ستجبر الرواة على الاعتزال كتابياً واللجوء الى الصوت أو الى الصورة والصوت معاً عبر شبكات التواصل الاجتماعي؟بعد كل هذا الكلام، لا يمكن أن يغيب عن البال أنَّ الكتابة قبل كل شيء تحترم اللغة المكتوبة بل ولا يمكن الاستغناء عنها تحت أي سببٍ من الأسباب. فوظيفتها الأولى احترام الفكر الإنساني، وهذا انطبق من قبل على الكتابة المقدسة منذ نقل القرآن الكريم والانجيل والتوراة الى الورقي أو المطبوع. لكن لكي يصمد الكاتب في ظل هذه الضغوطات الاقتصادية قفز الى المسموع رغم أنه هو العاشق الحقيقي لما هو مكتوب ورقياً. فهل سنشهد على الرواية الصوتية وازدهارها مع الرواة الجدد؟

المصدر: جريدةًالصباح العراقية

شاهد أيضاً

🔴نيويورك تايمز تكشف تفاصيل مثيرة عن عملية اغتيال “أبو البرنامج النووي الإيراني”

باريس _ عيسى ريشوني كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” تفاصيل مثيرة حول عملية قتل العالم النووي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.