بترو طراد والعبارة الحاسمة

د. منير مهنا – أستاذ في الجامعة اللبنانية


إن بعض مآسي لبنان إن لم يكن معظمها، أنتجتها سياسات قاصرة عن رؤية مصالحه الوطنية ـ فإذا بالوطني من المصالح يُختزل الى مصالح وسياسات شخصانية ترتبط بظروف الحاكم وتصوراته الذاتية ورؤيته التي يغلب فيها الخاص على العام ، أو الخارجي على الداخلي واشتراطاته ، فتتكيّف المصلحة الوطنية على قياس هذا الفريق أو ذاك … ذاك هو حال لبنان منذ عهود ولم يزل ، فهل يمكن أن نستمر على هذا المنوال في التعامي عن حقائق التاريخ والجغرافيا ونرهن مصير هذا الوطن لمصالح قلة من اصحاب الرؤى الضيقة؟
اول خطوة في مسار الخروج من أزمتنا المستمرة سياسياً وأقتصادياً لا بدّ أن تكون مرتكزة في منطلقها على قاعدة موضوعية ترسم السياسات بمنهجية ثابتة لا تخضع لتقلّب الظروف ولا ترتهن لبعض اصحاب الشأن من سياسيين وأقتصاديين يسيّرونها وفق رؤاهم الضيقة وتصوراتهم الواهمة واحقادهم المستولدة عند كل مفترق وأستحقاق وطني .
بعض ازمتنا هو التعامي عن هويتنا المشرقية الأصيلة وإنكارها حيناً والتنكّر لها أحياناً ، حيث القناعات متبدلة وفقاً للأهواء والرغبات والضغوط …فهل بهكذا وعي زائف وممارسات متقلبة يمكن تأمين مصالح وطنية عليا وبناء استقرار جامع يحفظ لبنان ويحمي أقتصاده ونموه ؟
تأكيداً لهذا المعنى وبالعودة الى التاريخ ورجالاته ، استرجع ما قاله رئيس جمهورية لبنان خلال فترة الأنتداب بترو طراد حين دعا ممثلي الصحافة اللبنانية الى مكتبه بتاريخ 31/8/1938 وقال لهم :
” لقد دعوتكم لأمر هام يتعلق بسياسة لبنان ويتوقف عليه مصيره ومستقبله . إن لبنان منذ زمن المعنيين والشهابيين حقيقة تاريخية جغرافية معنوية فلا شكّ في وجوده . وهو في استقلاله له حقوق وعليه وأجبات . من واجباته اتباع سياسة داخلية تشعر كل فرد بوجود وطنه وتشعره بأنه أبن هذا الوطن مهما كان دينه ومذهبه . ومن واجبات لبنان المستقل أيضاً أن يدرك أنه موجود وسط محيط عربي وأنه ليس بأمكانه إذا كان حريصاً على منفعته وعل صيانة استقلاله إلاَّ أن يسير على سياسة تعاون وثيق مع جيرانه ، يجب أن يمد يده الى جيرانه وأن يوطّد علاقات الإخاء والمحبة التي تربطه بهم “.
وتابع قائلاً : ” لقد رأيت إن الواجب الوطني يدعو الى وضع حجر الزاوية في السياسة الرشيدة التي يجب أن ينهجها لبنان ألا وهي توثيق العلاقات مع جارتنا سورية ….فلا يمكن بعد الآن أن يقوم حاجز مادي او غير مادي بين سورية ولبنان …إن سياسة اللبنانيين توفرها عبارة حاسمة هي : إن مصلحة سورية هي مصلحتنا ونحن في السراء والضراء سواء “.
هي خطوة ….ولكن على اساسها يبدأ الطريق …فهل خطيناها ؟

شاهد أيضاً

أصحاب الحياد والفيدرالية يريدون الفوضى فقط

ناصر قنديل – منذ سنتين وفي أعقاب أحداث 17 تشرين 2019 ، خرجت بقوة ووضعت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.