رحلة في بلد الإشعاع

رواية على حلقات للأديب أحمد فقيه

الحلقة التاسعة ( والتأم الشمل)

بعد أن أعيت الحيلة إسماعيل، ولم يجد أثراً لبيت عفراء أو لمقهى والدها، يقرر بأن يعمل كسائق تاكسي لعلّه، من خلال تجواله المتواصل، يعثر على عفراء.

وعند التاسعة من ذات ليلة من ليالي نيسان المقمرة بينما كان قسم من الناس يخرج من السينما، وقسم آخر يتأهب للدخول إليها لحضور الحلقة الأخيرة، كان إسماعيل قد أوصل مجموعة من الركاب إلى منطقتي الشياح والغبيري، وقفل عائداً لعلّه يحظى بنصيب آخر من الركاب قبل أن ينفض الجمع.. وقد مر عند عودته بين الأزقة الكائنة ما بين محطة النويري وبرج أبي حيدر، وزقاق البلاط، آملاً أن يجد في طريقه بين هذه الأزقة من يحمله معه إلى المدينة بدلاً من العودة فارغاً، وإن كان قد إعترف فيما بعد بأن هناك شعوراً خفياً آخر قد دفعه إلى المرور من تلك الطريق التي ليست على خطه المعتاد، ولا يمر منها إلا بطلب خاص. كما إعترف كذلك بأن هذه المنطقة بالذات وما فيها من أزقة كانت تجذبه دائماً، ويجد فيها راحة نفسية لا تقدر.. وعندما كان بائعاً للخضار كان يحلو له دائماً المرور فيها، ولكنه كان يخشى مطاردة رجال البلدية، فكان يتجنبها رغماً عنه. وعندما بدأ العمل كسائق، كثيراً ما كان يجد نفسه بين تلك الأزقة من حيث لا يدري. فالخط الذي يجب أن يتبعه هو شارع بشارة الخوري، رأس النبع، شياح، غبيري، ومن ثم إلى برج البراجنة مروراً بحارة حريك وبير العبد، وبالعكس إلى المدينة. وعادة لا يغير السائق خطّه المرسوم له إلا بطلب خاص. ولكن إسماعيل بسبب وبدون سبب، كان يجد نفسه بين تلك الأزقة البعيدة المتوارية عن خطّه الرئيسي. ولم يعرف إسماعيل سبب إنجذابه نحو تلك الأحياء إلا في وقت متأخر.. وإذا كان للسائق سبب واحد للتلفت يميناً ويساراً، وأحياناً، إلى الخلف من خلال المرآة، فلإسماعيل سببان: سبب للبحث عن الزبائن، وسبب آخر وهو الأهم، للبحث عن ضالته المنشودة، والتي من أجلها ترك بلدته وأمه وقرر الإقامة في بيروت.. وهكذا فقد أصبح عنده التلفت، والتفرس في وجوه الناس وأشكالها شبه عادة.

وبينما كان يسير بسيارته مخترقاً تلك الأزقة وهو يتلفت هنا وهناك بلهفة غير عادية، وإذا به يلمح عن بعد شبحاً لم يتبين معالمه لأن الزقاق كان مظلماً نوعاً ما.. ولكن قلب إسماعيل كاد أن يقفز من مكانه من شدة الخفقة التي خفقها عندما لاح له ذلك الشبح.. ودون إرادة منه ضغطت رجله على فرامل السيارة بسرعة وقوة متناهيتين.. وكانت الصدمة مزدوجة على إسماعيل، عاطفية وجسدية..

كان الطريق الذي سلكه ذلك الشبح والطريق الذي يسير فيه إسماعيل يتفرعان من طريق واحد ويكونان مع الطريق الرئيسي ما يشبه الحرف اللاتيني ”  T” مع بعض الإنحرافات البسيطة. وكان إسماعيل قد وقف عند مفترق هذه الطرق الثلاثة معتقداً بأن ذلك الشبح الذي خرج لتوه من باب أحد المنازل هناك سوف يتجه ناحيته، وبهذا يتمكن من معرفته عندما يصبح على مقربة منه. ولكن ذلك الشخص سار في الإتجاه المضاد. وهنا شعر إسماعيل برغبة جارفة في اللحاق بذلك الإنسان وتتبع آثاره لمعرفته أو لمعرفة أي شيء عنه وخاصة بعد أن تأكد له أنه يلبس السواد. فشغل السيارة وإستدار بها بسرعة وإتجه نحو ذلك الشخص. وعندما أصبح على مقربة منه أخذ ينظر إليه بتمعن من الخلف، فإذا به فتاة كل ما ظهر من لباسها أسود.. وهنا بدأ قلبه يزداد خفقاناً وهو يحاول الإسراع ليصبح أمام تلك الفتاة ويستطيع النظر إلى وجهها ليتأكد مما توحي إليه نفسه به.. وعندما أصبحت الفتاة خلف إسماعيل، أخذ ينظر إليها بتمعن من خلال المرآة، وإذا بجميع أوصاله ترتعد!..

وقفت السيارة، ولم يدر إسماعيل كيف وقفت!.. ولكنه لم يفكر في هذا الأمر الآن.. فتح باب سيارته بدون وعي، وهم بالخروج.. كانت الفتاة عندها قد أصبحت على مقربة منه، بل تخطته قليلاً.. وبينما كان يحاول أن ينتصب على ساقيه وهو يرد باب السيارة، صاح بأعلى صوته وبدون وعي كذلك: عفراء!!!..

جفلت الفتاة وأسرعت بخطاها معتقدة بأنه من السوقة الذين يلاحقون الفتيات في مثل تلك الساعة المتأخرة من الليل. ولكن بعد أن تكررت النداءات، وعاد إلى ذهنها ذلك الصوت الذي لم تسمعه منذ أكثر من ست سنوات، تغير لونها، وخفق قلبها بشدّة، فتلفتت نحو ذلك الشاب، وتفرست فيه بإمعان، فإذا بها تعود ناحيته فاتحة ذراعيها، وهي تهتف دون أدنى تفكير: إسماعيل!! إسماعيل!!..

وضمّها إلى صدره.. والله وحده يعلم كم طالت تلك الوقفة، وكم كانت الدموع التي هطلت من كليهما حارة!!..

ثم إتخذ كل منهما موقفه قبالة الآخر مستندين إلى حائط بجانب الطريق، والدموع ما زالت تنهمر، ومع الدموع إنساب الكلام.. وإنقشع الضباب، وزال الغموض.. ولم يحتاج هذا لوقت كثير أو جهد كبير..

حلم أم حقيقة

كثيرون الذين لا يرحمون في هذه الدنيا، وكثيرون الذين لا يقدّرون الظروف وما تجرّ معها للإنسان، فكل فرد لا يفكر بالآخرين، وهو بذلك يضع نفسه فوق كل إعتبار.. إلا القليل القليل..

ويبدو أن عفراء من طينة هذه القلّة القليلة من الناس التي يندر وجودها.. إنها ” نادرة ” فعلاً!.. لقد حباها الله بكمال في الخلق والخلقة، ورجاحة في العقل، وعفّة في النفس، بقدر يندر وجوده بين أبناء جنسها..كم كان خجل إسماعيل بالغاً مما فعله بحقّها.. وكم كان يتلعثم، والعرق يتصبب منه لشعوره بحقارة نفسه عندما كان يروي لها ما حدث له والذي كان سبباً في بعده عنها.. ولكن بعد أن وازنت الأمور بميزانها ” الحسّاس ” الميزان الذي يجرّد النفس من أهوائها، ويعطي كل ذي حق حقّه، وجدت أنه لا غبار على ما فعله إسماعيل.. ولم تكتف بأنها برّأته من التهمة التي ألصقها بنفسه دون حق، بل أنها أثنت عليه قائلة:كنت مجبراً على ما فعلته.. وكل ذي ضمير حي لا بدّ أنه سيفعل ما فعلت.. لقد ضحيت بسعادتك من أجل إرضاء ضميرك!.. وأي شيء يمكن أن أطلبه أنا أو غيري منك أكثر من هذا؟!!..

وهكذا زاد إعتبار إسماعيل في عين عفراء، ولم تأسف على تلك السنين التي مضت من حياتها حداداً عليه، رافضة الزواج من أي إنسان آخر بعد أن إعتقدت بأنه فارق الحياة أو حصل له حادث قاهر حجبه عنها.. وقد عزمت الآن بعد أن سمعت حديثه على أن تجعل حياته جنّة، وأن تحاول قدر إستطاعتها أن تعوض عليه ما فاته من سنين الشقاء والبؤس والألم.

أما إسماعيل فبعد أن ” ذهبت السكرة وجاءت الفكرة “، (سكرة المفاجأة) أخذ ينظر إلى عفراء بشيء من الذهول الوجداني.. لم يصدّق ما هو فيه.. كان ينظر أمامه فيرى عفراء واقفة كالملاك الطاهر.. هل يمكن هنا؟!.. إنه الحلم الذي طالما حلم به..

هل يمكن للحلم أن يصبح حقيقة؟!..

لقد كانت المفاجأة أكبر مما كان يتوقع.. وزيادة على هذا فإن طبيعة الجو الذي غمرهما في تلك اللحظة قد زاد من روعة اللقاء وسحره مما جعل إسماعيل يشك فعلاً في حقيقة هذه المعجزة.. أهل تتكرم عليه الأقدار بنفحة مثل هذه بعد ذلك الشقاء الطويل المرير؟!.. ثم يعود فيتحسس نفسه، ويفتح عينيه على مداهما، وينظر أمامه فيجد عفراء بلحمها ودمها وإبتسامتها الهادئة، وثوبها الأسود، تقف قباله وهي متكئة على ذلك الجدار، والقمر يلقي عليهما بنوره الخافت فيزيدها روعة وجمالاً.. ويتلفت إلى الأعلى قليلاً فيجد بضعة أغصان، خضراء يانعة، قد إمتدت وتطاولت فوق رأسيهما، فإذا بها تهتز وتتراقص على أنغام نسيم نيسان العليل المنعش، فيحس بأن الطبيعة وما فيها تحتفل بلقائهما.. فلا يصدّق هذا.. إنه لا شك في حلم!! أمن المعقول أن تجود عليه الحياة بكل هذا مرة واحدة، وبدون مقدمات، بعد أن كاد يفقد الأمل؟!.. لكن هذه سيارته تقف إلى جانبه، وذلك هو الشارع، وهناك بعض الناس يتنقّلون هنا وهناك، وذاك صراخ صبي إنه يسمع ويرى كل شيء!..

وبعد هذه الدوامة التي بلغت به حد الإعياء، يعود ليتفحص نفسه من جديد، فيغمض عينيه قليلاً، على مضض منه، ثم يفتحهما بسرعة، فيجد عفراء ما زالت أمامه وهي تواصل حديثها الملائكي المتزن الذي ينساب من خلال إبتسامة هادئة وضاءة مشرقة، فتسكره النشوة.. ويستسلم.. لم يعد يقوى على المقاومة.. فيشعر كأنه يسبح في عالم فسيح.. فسيح.. واسع الأرجاء.. لا يحده زمان أو مكان.. عالم روحاني أزلي..

ثم يفيق من سكرته على نداءات عفراء التي لاحظت شروده فتنبهه قائلة:إسماعيل.. إسماعيل.. ما بك؟!.. أين أنت؟!.. بماذا تفكّر؟..

فينتبه كمن يفيق من غفوة، ويتدارك نفسه على عجل، وبشيء من الإرتباك، يقول:لا شيء.. لا شيء.. الحقيقة.. الحقيقة..الحقيقة.. ما بها الحقيقة؟!..

وهنا كان إسماعيل قد زايله الإرتباك، وخاصة بعد أن قاطعته عفراء بكلماتها اللطيفة الناعمة، فيعود ليكمل روايته وإنما بثبات وتؤده: الحقيقة إنني أكاد لا أصدّق أنكِ أنتِ التي تقفين أمامي وتحدثينني.. وقد حاولت أن أجري على نفسي عدة تجارب للتأكد من أنني لست في حلم.. والآن عندما نبّهتني كنت فعلاً في حلم.. كن..صحيح!.. ما هو هذا الحلم؟!.. هات.. “إحكي تنشوف”..كنت أشعر وكأنني وإياك نسبح في فضاء نوراني فسيح لا نهاية له، بعيد عن عالمنا هذا الذي يعكّره الصراخ والصخب والضجيج.. عالم لا يمكن وصفه أو قياسه بمقاييسنا وأوصافنا المعروفة عندنا هنا.. عالم تزول فيه الهموم ومسبباتها.. عالم متجانس متآلف يذوب فيه الجزء في الكل، والكل في الجزء..

وإن كانت عفراء لا تقل تأثراً عن إسماعيل بالموقف وروعته، إلا أنها أرادت أن تضفي شيئاً من الدعابة على الجو لكي تحد من جماح خيال إسماعيل وعاطفته المشبوبة، فقالت وهي تبتسم بلطف كعادتها: ألم تخش من أن يفلت أحدنا من الآخر؟!.. ومن منا كان يمسك بالثاني؟!.. أنا أم أنت؟.. وكيف؟!..

فيزداد إسماعيل شوقاً وهياماً، ويزداد شعوره بأنه في يقظة وليس في حلم بعد هذه الدعابة اللطيفة فيجيب عليها قائلاً:

لقد كان لإبتسامتك الرقيقة تلك فعل السحر في نفسي، فنفَذَت إلى أعماق أعماقي ومعها نفذتِ أنتِ.. وعندما كنا هائمين في ذلك العالم العلوي اللانهائي، لم أستطع عندها تمييز نفسي من نفسك.. لقد كنا كيانين في جسم واحد مندمجين في خضم ذلك العالم الجديد كاللحن الموسيقي الذي إذا فقدت منه نغمة فقد معناه وأصبح نشازاً..

فشعرت عفراء بشيء من الندم إزاء هذا الشعور القدسي، والذي كان لا يجب أن تقابله بمثل تلك الدعابة وإن كانت لا تفصد منها سوى التسرية عن نفس إسماعيل وما يكابده من عناء، فأحنت رأسها، وتقدّمت حتى لاصقته، ثم أمالت برأسها على كتفه ويدها اليمنى تحيط بخصره، وفي عينيها دمعتان حائرتان تهمان بمغادرة مكانيهما، ولكنهما ترجحان البقاء لتتلألأ في تينك العينين النرجسيتين فتزيدهما جمالاً على جمال.. ثم تهمس في أذنه بصوت شجي كله دفء وحنان: لم يكن شعوري بأقل من شعورك، ولا فكرك كان أكثر إنشغالاً من فكري.. فكل منا يفكر في إنتشال الآخر وإقصائه عن متاعب الدنيا، ومشاغلها وهمومها.. إلا أنك كنت أسمى في تفكيرك وهذا شيء بعيد المنال، أما أنا فكنت أدني في تفكيري، ولذلك كنت أقرب للواقع الذي نحن فيه، والذي لا نستطيع الخروج منه إلا في الخيال.. فقد إنحصر تفكيري في الطريقة التي يمكنني أن أسعدك بها وأنسيك ما مر عليك من شقاء وألم وأرجو أن أوفق..

فما كان من إسماعيل إلا أن زاد إلتصاقاً بها، وحنواً عليها.. ثم يتجرأ فيمد أصابعه ليمسح تينك الدمعتين الحارتين اللتين إنهمرتا لتوهما على خديها الورديين، ويرسم قبلة طاهرة على جبينها الناصع، بينما يده الأخرى تداعب شعرها الذهبي المسبل على كتفيها..

.. وتمر اللحظات تلو اللحظات وهما واقفان غير شاعرين بالزمن.. لقد نقل كل منهما للآخر في تلك الوقفة على قارعة الطريق، تظللهما شجرة معمرة وارفة من الجميز أحداث ست سنوات غير آبهين بالمارة، ولا بالعادات والتقاليد، ولا بما سيقوله الناس.. إذ أن ما بينهما أقوى وأعمق بكثير من كل هذه السطحيات، التي لا يمكن أن تنال منهما، أو حتى تقترب من نارهما المتأججة.. وإن فعلت، فلا شك أن مآلها سيكون الرماد والإندثار..

تكلم إسماعيل فأصغت عفراء وتكلمت عفراء فأصغى إسماعيل، وكل منهما يتطلع إلى الآخر بلهفة وشوق، والسعادة والبهجة تسري في أوصالهما كأنهما إمتلكا الدنيا بأسرها..

ثم جاء دور إسماعيل ليسأل عما حل بالعم ” أبو خليل ” وأحوال الجميع، وأين هم الآن وماذا يفعلون..

إلى اللقاء في الحلقة العاشرة (الذئاب الضارية)

شاهد أيضاً

$25000 لمستشفى حاصبيا الحكومي..

رانية الأحمدية عندما تشتد الحالة أكثر يكون الفرج أقرب، فالله سبحانه وتعالى دائما يبعث بالمنقذين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أعلان إيجارات واستثمارات

اعلان

أعلانات

اعلان