أمريكا ولبنان: صراع الهوية والدولة الشيعية.*

بقلم: ناجي علي أمهز

تمهيد:
لذلك، لا تشعر أمريكا بالاضطراب من تقسيم لبنان. بل إن حصولها على جبل لبنان التاريخي، حيث أكبر سفارة لها، مع مطار ومرفأ وحركة سياسية واقتصادية نشطة، إضافة إلى ثروات طبيعية من النفط والغاز، وقربها من إسرائيل و(على مرمى حجر من قبرص)، وإطلالتها المباشرة على سوريا، يضاف إلى كل ذلك وجود طائفة مؤيدة ومساحات خضراء هادئة وجميلة وطبيعة ساحرة خلابة، وخلوها مما يعكر صفوها أو يكدر هدوءها، كل هذه العوامل تجعلها تتقبل هذا الوضع وتفضله.
في هذا السياق، لا مانع لدى أمريكا من انتقال طرابلس بمشاكلها ونازحيها السوريين إلى حكم أحمد الشرع (وهذا ما اعلنه باراك صراحة)، الذي سيهتم بهم ويدبر أمورهم. كما أنها لا تعارض رحيل الشيعة بعيدًا، وإذا تعذر ذلك، فليقيموا دولتهم على غرار حكم حماس في غزة. فليس من اهتمام (أو عبء) الأمريكان تأمين الطحين والأدوية والطبابة والتعليم والدعم المالي لمليون وأربعمائة ألف شيعي. وفي هذه الحالة، يمكن لإيران أن ترسل لهم الدعم عبر المظلات أو بحر مدينة صور. اما المسيحيين الموزعين خارج جبل لبنان، فان جبل لبنان الذي اتسع لاكثر من 300 الف نازح لبناني ومقدارهم نازحين سوريين يتسع لما يقارب ال 200 الف مسيحي، أما الدروز، فهم محسوبون ضمن المركب الأمريكي سلفًا.

مقدمة الكاتب:
قد يبدو العنوان صادمًا، لكنه يكشف عن حقيقة عميقة تستند إلى رؤية تحليلية فريدة، متجذرة في تجربة خاصة مع نخبة عالمية ملمة بأدق تفاصيل المشهد الدولي. إن هذه المقالات ليست مجرد نصوص تقليدية، بل هي حلقات مترابطة ضمن سلسلة أحداث تتكشف مع كل قراءة، وكأنها كتبت من رحم المستقبل. هذا المقال هو السادس ضمن هذه السلسلة، التي بدأت منذ سنوات بتوقعات جريئة أثبت الزمن صحتها:
• 2018: توقع زوال دولتين، فلسطين ولبنان، وهي فكرة بدت آنذاك ضربًا من الخيال. اليوم، نشهد زوال فلسطين فعليًا، ولبنان يقف على حافة الهاوية، متجهًا حتمًا نحو تغيير جذري في كيانه.
• 19 نوفمبر 2019: مقال “أمريكا بسبب الحزب قررت تحويل لبنان إلى كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية”. أشرت فيه إلى تقاطع السياسة الأمريكية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي حول هذا الهدف الخارجي، بدفع من الحكومة البريطانية.
• 21 أبريل 2021: مقال “الشيعة والموارنة وأسباب زوال لبنان، وأسرار العلم اللبناني حسب الرواية التلمودية”. من كان ليصدق هذا الطرح في وقت كان فيه حزب الله يتمتع بقوة إقليمية وحلفاء نافذين؟
• 16 يوليو 2021: مقال “ماذا سيحصل في لبنان بعد اعتذار الحريري”. تحدثت فيه عن رغبة أمريكا في مناطق خاصة بجبل لبنان، تكون خالية من أي قوة مناهضة لها، مع إشارة إلى افتتاح السفارة الأمريكية الأضخم هناك. أذكركم بأن الرئيس ترامب سيفتتح هذه السفارة شخصيًا بعد إضعاف حزب الله بشكل نهائي.
• 25 يناير 2022: مقال “بين أوكرانيا ولبنان.. الروس سيشعلون المنطقة بحرب العشر سنوات”. كُتب هذا المقال قبل الحرب الروسية الأوكرانية، وتنبأ بسحب أمريكا موظفيها ونقلهم إلى لبنان، واهتمام فرنسي بالغاز اللبناني، ودخول لبنان في أزمة حادة، وصولًا إلى استخدام مطارات قبرص اليونانية لقصف مناطق لبنانية، وانتشار الفوضى والدمار في ظل نظام عالمي جديد حيث “كل شيء مباح”.
الوضع الراهن: سيناريو مُحكم التخطيط
ما يجري اليوم في لبنان والمنطقة ليس نتاج الأشهر العشر الماضية أو حتى عملية “طوفان الأقصى”، بل هو خلاصة سيناريو طويل ومعقد، أشبه بطبخة توضع على نار هادئة حتى تنضج. إن الاكتفاء باعتبار اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند السبب الوحيد للحرب العالمية الأولى، أو الأزمة الاقتصادية للحرب الثانية، أو احتلال صدام حسين للكويت قرارًا فرديًا، أو أحداث 11 سبتمبر مبررًا وحيدًا لاجتياح العراق وأفغانستان، هو قصور في فهم الدوافع الحقيقية.
من يصدق أن تدمير غزة وتشريد مليوني فلسطيني، وتدمير لبنان، وسقوط بشار الأسد، وقصف إيران، ومجزرة الساحل السوري، وأزمة السويداء، كلها أحداث متصلة بسبب غزة وحدها، فهو لا يدرك أننا أمام تحولات كبرى غيرت خرائط العالم بعد إسقاط الكنيسة في أوروبا والخلافة الإسلامية وتفكيك الاتحاد السوفيتي. في هذا السياق، يصبح الحديث عن سلاح حزب الله كأزمة بمعزل عن هذه التحولات تبسيطًا مخلًا للأمور.

المشروع الجديد للشرق الأوسط: تفتيت بلاد الشام
إن ما يُشاع اليوم عن قيام دولة علوية في سوريا على الساحل، ودولة درزية في السويداء، وعودة طرابلس اللبنانية إلى بلاد الشام، ليست مجرد تكهنات عشوائية. بل هي معطيات تُكمل الصورة ضمن المشروع الجديد لمنطقة الشرق الأوسط، الذي يهدف إلى إيجاد دول مسيحية وشيعية وسنية ضمن بلاد الشام. هذا المخطط، الذي رسمته فرنسا قبل قرن تقريبًا، كان يُعرف باسم “الولايات السورية الخمس”.
اليوم، حان وقت تطبيق هذا السيناريو، الذي يشبه إلى حد بعيد تقسيم قبرص إلى شطرين تركي ويوناني. ما يجري في العالم هو سيناريو معد سلفًا بدقة متناهية.
وفقًا لهذه الرؤية، لم يكن “طوفان الأقصى” هو السبب الحقيقي في دمار غزة؛ فإطلاق صاروخ واحد من غزة كان كافيًا لتحقيق ما حدث. كذلك، لا علاقة لعملية إسناد غزة من قبل حزب الله بالوضع الحالي؛ فكان يكفي “فرقعة” من أي جهة لبنانية نحو الكيان الإسرائيلي لاشتعال لبنان وتدميره واغتيال قياداته، وصولًا إلى هذا المشهد الراهن.

انهيار الأنظمة واختفاء الجيوش: سيناريو مدروس
إن سقوط سوريا دون مقاومة تُذكر، وخروج بشار الأسد وكأنه بلا حماية، لم يكن نتيجة السيناريوهات الإعلامية المتداولة. اختفاء مليون جندي ورجل أمن في سوريا بلحظة، تمامًا كما اختفى الجيش العراقي واحتُلت بغداد، لم يكن وليد الصدفة. لقد أثبتت أحداث سوريا والعراق أن 99% من ضباط وعناصر هذه الجيوش لم يصابوا بجرح؛ وكأن هناك من أصدر لهم أمرًا بالعودة إلى منازلهم، وقد نُفذ القرار دون أن يشعروا بأنهم يغادرون مواقعهم وثكناتهم.

هذا السيناريو وصل اليوم إلى لبنان، حيث يُراد للمقاومة وكافة الفصائل أن “تختفي” كما اختفى الجيشان العراقي والسوري. لكن لبنان ليس العراق وسوريا؛ ففيه “نخبة” كل لبناني فيها هو “أخطبوط” متشعب وممتد في الداخل والخارج، وهذا ما يشكل المعضلة التي تواجهها أمريكا في هذا البلد.
الثالوث العالمي وأهمية لبنان الاستراتيجية:
لقد نجحت أمريكا في ضم روسيا إلى “الحلف الثلاثي” (بريطانيا – فرنسا – أمريكا) الذي يتشابه في ألوان الأعلام.
أما لفهم ما يجري في لبنان، يجب العودة إلى ثلاث نقاط أساسية:
1. السفارة الأمريكية في العراق: أكبر سفارة أمريكية في العالم تقع في العراق، وسط مجتمع شيعي سني يحميها.
2. السفارة الأمريكية في لبنان: ثاني أكبر سفارة في العالم ستقام في لبنان، أيضًا في مجتمع شيعي كبير، مع كتلة مارونية سنية حليفة لأمريكا.
3. تصريح ترامب: أعلن الرئيس السابق ترامب أنه سيحضر شخصيًا لافتتاح ثاني أكبر سفارة في العالم في لبنان بعد إضعاف حزب الله.
من حديث ترامب، يتضح أن الهدف ليس القضاء على الشيعة، بل إضعافهم حتى الاستسلام التام.
**

خياران مصيريان للشيعة في لبنان:**
لذلك، يقف الشيعة اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، يحددان مصيرهم ومستقبل لبنان:
الخيار الأول: “الشيعة الأمريكيون”
يتجلى هذا الخيار في ظهور عدد كافٍ من “الشيعة الأمريكيين” ودولة تحمي المصالح الأمريكية في لبنان، على غرار وجود دولة شيعية في العراق تحمي المصالح الأمريكية. في هذا السيناريو، تكون أمريكا قد حققت هدفها في لبنان، الذي تريده أن يكون “منطقة خضراء” كالعراق. هذا يتطلب من حزب الله وقف عدائه لأمريكا وإسرائيل، وتسليم أسلحته الدقيقة، والاندماج الكامل تحت الإدارة الأمريكية. في هذه الحالة، ستحتضن أمريكا الشيعة ويبقى لبنان بحدوده الجغرافية تقريبًا، مع عدم ممانعة أمريكا لضم إسرائيل لبعض الأراضي اللبنانية، أو ضم سوريا لبعض الأراضي من الشمال والبقاع، كما تعهد ترامب بتوسيع مساحة إسرائيل.

الخيار الثاني: “الدولة الشيعية”
في حال تعذر ضم شيعة لبنان إلى الفلك الأمريكي، سيُطلب منهم إقامة دولتهم أسوة بالدولة العلوية والكانتون الدرزي في السويداء. في هذه الحالة، الخطر لا يقتصر على الشيعة بل يطال لبنان ككل، الذي سيفقد طرابلس وجزءًا من الجنوب والبقاع وجزءًا كبيرًا من بيروت، مع تفتت جغرافي وكياني لا يمكن إصلاحه.

نزع السلاح ونزع العقيدة: هدف أمريكي مزدوج
أمريكا لا تسعى فقط لنزع سلاح حزب الله، بل تريد أيضًا نزع عقيدته المناهضة لها. فإذا سلم حزب الله كل سلاحه، وحتى “سكاكين المطبخ”، وبقي مناهضًا لأمريكا، ستدفعه أمريكا بالقوة لإعلان دولته. النموذج الحقيقي هو الساحل السوري، الذي لم يطالب بالانفصال عن سوريا، لكن بسحر ساحر وصل المتشددون إلى الساحل، وارتُكبت أكبر مجزرة في التاريخ العربي الحديث، وبدأت ترتفع الأصوات المطالبة بحكم علوي ذاتي، وكأن أمريكا دفعت العلويين إلى هذا التوجه. هذا السيناريو سيتكرر في لبنان؛ حتى لو سلمت الطائفة الشيعية كل شيء، ستحصل مجزرة، وسترتفع الأصوات الشيعية للمطالبة بحكم ذاتي، وهو ما تريده أمريكا تمامًا.
أمريكا لا تقدم حلولًا واقعية، بل تطالب “بالمعجزات” التي تعجز الدولة والشعب اللبناني عن تحقيقها بمفردهما.

مستقبل إيران وحلفائها: استمرارية الأدوار لا إنهائها
قد يعتقد البعض أن أمريكا تسعى لإنهاء الدور الإيراني أو إضعافه، لكن الحقيقة أعمق من ذلك. فمهمة إيران الأساسية هي حجب التدفق الأفغاني الباكستاني المتشدد إلى العالم العربي، وتشكل حاجزًا بشريًا وعقائديًا طبيعيًا يمنع هذا التمدد الذي يشكل خطرًا على تركيا ثم أوروبا. وإيران، التي نجحت في ضبط إيقاع حلفائها في العراق المتماسين مباشرة مع التواجد الأمريكي، ستضمن أيضًا ضبط إيقاع حلفائها في لبنان الذين سيكونون على تماس مباشر مع التواجد الأمريكي المستقبلي. لذا، أمريكا لا تريد إنهاء حزب الله أو الشيعة اللبنانية بالكامل، بل تسعى لإعادة تشكيل أدوارهم ضمن معادلاتها الإقليمية.

العروض الأمريكية لحزب الله: مسارات التفاوض والضغط
عاد اليوم موضوع نزع السلاح إلى المربع الأول بعد أن تأكدت أمريكا أن رجال الحكم معها، لكن الدولة اللبنانية عاجزة عن نزع السلاح، لذلك بدأت الآن بتطبيق سياسة العصا والجزرة. فقد انتقلت أمريكا إلى التفاوض على السلاح مع حزب الله عبر الإعلام. التسريبات تؤكد وجود عروض مالية سخية للحزب مقابل التخلي عن السلاح قد تصل إلى مليارات الدولارات. إذا رفض الحزب العروض المالية، سيُعرض عليه توسيع نفوذ الشيعة ضمن الدولة اللبنانية بمنحهم منصبًا رفيعًا يضمن تقديم ضمانات للشيعة وتقديم مبلغ مالي أقل. في حال الرفض المتواصل لكل هذه العروض، ستكون هناك معارك حتمية تؤدي إلى ظهور كيان شيعي، لن تعارضه أمريكا، لكنها ستتساءل عن سبل استمراره، على غرار سيطرة حماس على قطاع غزة، مما يضع هذا الكيان في دائرة الشكوك حول مقومات البقاء.

خاتمة: مفترق طرق وجودي في عام 2025
إن الطائفة الشيعية ولبنان اليوم يقفان على مفترق طرق وجودي يستدعي قرارًا مصيريًا لا رجعة فيه:
• الاندماج في النظام اللبناني الجديد: هذا التوجه نحو السلام والتخلي عن لغة الحرب، والاندماج في النظام اللبناني الجديد الذي هو على افضل العلاقات مع امريكا والجوار والعالم “حياد تام”، مع التخلي عن فكرة مقارعة ومقاومة إسرائيل، حتى في الاراضي التي احتلتها اسرائيل فان الامور تعالج بالقنوات الدبلوماسية، اما بلوكات النفط والغاز في الجنوب، فكما تدير امريكا النفط في العراق ستديره ايضا في لبنان.
• المواجهة وإقامة الدولة: اتخاذ قرار المواجهة، سواء بعد تسليم السلاح أو الإبقاء عليه. هذا سيفضي حتمًا إلى فوضى، لكن الجميع يعلم أن سلاح الحزب لا ينتزع بالقوة، مما يعني أن الحزب سيعيد انتشاره المسلح ضمن مساحات معينة، لتصبح هذه المساحات هي معالم الدولة الشيعية.

امريكا لن تعارض هذا التقسيم، لأن في السياسة الأمريكية الجديدة، الدول ليست ذاكرة وطنية، بل هي أراضٍ للاستثمار. حتى في أمريكا، بحال انهيار ولاية اقتصاديًا واجتماعيا، لا يخجلون بمطالبتها بالانفصال.
اليوم، على الشعب اللبناني عامة أن يفكر مليًا قبل أن يسير في ركب الفكرة الأمريكية، كما على الشيعة ألا يستبعدوا ما كتب في المقال، فربما تلوح ملامح دولة أمامهم أو البقاء في الوطن والانضمام التام للدولة. كما يجب على السنة في الشمال التنبه أن سوريا هي سوريا، والانضمام إليها يعني تجنيدًا إجباريًا ونظام عيش وتعليم يماثل ما يعيشه الشعب السوري.
اكرر الى الشعب اللبناني امريكا تعرف ماذا تريد، هل انتم تعرفون ماذا تريدون وكيف ستتغير الامور بعد سنوات قليلة، يمكن البحث عن الوحدة والسير بالحد الادنى بين هذه الالغام التي ظهرت بالامس مع اندلاع احداث غزة وسقوط سوريا.

شاهد أيضاً

مع انتشار الآفات والسموم: لا تؤجل فحص القولون..

أسماء الجرادي عاماً بعد عام تتغير أوجاع الناس، وفي ظل تحديات هذا العالم الثقيلة، توسع …