د. خميس بن عبيد العجمي
رئيس الإتحاد العربي للمدارس الخاصة
رئيس أمناء مدارس كينو الخاصة بسلطنة عمان
يمرّ الإنسان في رحلة عمره بالعديد من العوائق والمطبّات، ولن تكون دروبه سهلة دومًا، فلا بد له من انهزامات وانتصارات، ولحظات صعود، ولحظات انكسار، وطرق وعرة وطرق ممهّدة، فلا مفرّ من أنْ تواجهه العديد من التحدّيات الجوهرية التي تمسّ صميم وجوده وتحدّد مساره الروحيّ والأخلاقيّ.
فكما أنّ للخير أسسه وركائزه، فإنّ للشرّ كذلك جذوره الضّاربة بقوّة في أعماق النّفس البشريّة، ومن خلال التّأمّل في طبيعة الإنسان وصفاته، نجد أنّ هنالك مجموعة من العوامل تشكّل ما يمكن أنْ نسميه “ثالوث الهلاك”، ومنها؛ الغفلة والضّعف والتمرّد.
فهذه العوامل الثلاثة ليست مجرّد صفات سلبيّة منعزلة، إنّما هي قوى مترابطة ومتداخلة تعمل في تناغم مدمّر لتقود الإنسان بعيدًا عن فطرته السليمة ومسار الخير والهداية، فهي بمثابة الثّقوب السّوداء في الوجود الإنسانيّ التي تبتلع النّور وتحوّل البوصلة الأخلاقيّة عن اتجاهها الصحيح.
فالغفلة أولى مراحل السّقوط الروحيّ، إذ تعكس حالة فقدان الوعي الحقيقيّ بالهدف المنشود من الوجود والمعنى الأسمى للحياة، أيْ أنّها تبرز مرحلة سبات الوعي وموت اليقظة، وهي ليست مجرّد نسيان عابر أو سهو مؤقّت، بل هي حالة مزمنة من التّيه الروحيّ والانغماس في السّطحيّات على حساب الجوهر، وتتجلّى في انشغال الإنسان بالماديّات وملذّات الحياة الزائلة، إلى أنْ يفقد الاتّصال بروحه وبخالقه، كما قال الله تعالى: “وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ”( الحشر:19)، ففي هذه الآية تنكشف العلاقة العميقة بين نسيان الله ونسيان الذّات، فالإنسان الذي يغفل عن خالقه يفقد في النهاية معرفة نفسه الحقيقيّة، وفي عصرنا الحالي، تتّخذ الغفلة أشكالًا متعدّدة ومعقدّة، منها الانغماس في وسائل التّواصل الاجتماعيّ لساعات طوال، والسّعي الأعمى وراء المال والشّهرة، والانشغال بالتّفاهات والخلافات على حساب القضايا الجوهريّة.
وهذه الغفلة تخلق حالة من التّخدير الروحيّ، إذ تجد المرء يعيش في فقاعة من الوهم، فيظنّ أنّه يحيا حياة كاملة بينما هو في الحقيقة يمرّ بالأيام ويقترب من نهاية عمره دون وعي حقيقيّ أو نموّ روحيّ، وهذا النوع من الحياة يماثل النّوم أثناء اليقظة، فتمرّ السنوات دون أنْ يحقّق الإنسان تقدّمًا حقيقيًا في رحلته الروحيّة، ويْ كأنّ الناس هاهنا نيام، فإنْ ماتوا استيقظوا ولات حين مناص، فالغفلة لا تؤثّر في الفرد فحسب، بل تمتدّ آثارها لتشمل المجتمع بأكمله، فالمجتمعات الغافلة تفقد بوصلتها الأخلاقيّة وتنحدر نحو الانحلال والفساد، فعندما يغفل الأفراد عن مسؤوليّاتهم تجاه أنفسهم ومجتمعهم، تنتشر اللامبالاة والأنانيّة.
ومن ثمّ يأتي الضّعف، العامل الثّاني في ثالوث الهلاك، وهو حالة من الهشاشة النفسيّة والروحيّة التي تجعل الإنسان عرضة للسّقوط في مواجهة التحدّيات والإغراءات، وهذا الضّعف ليس ضعفًا جسديًا فحسب، بل هو ضعف في الإرادة والعزيمة والتّمسّك بالمبادئ، ضعف يولّد من عدّة مصادر، منها؛ ضعف الإيمان، وضعف الثّقة بالنّفس، وضعف التربية الروحيّة، والاعتماد المفرط على الآخرين، فعندما يفتقر الإنسان إلى القوة الداخليّة المستمدّة من الإيمان الصحيح والتربية السليمة، يصبح كالقشّة في مهبّ الريح، تحرّكه أيّ رغبة أو شهوة.
وفي عالمنا اليوم، نرى مظاهر متعدّدة للضّعف الإنسانيّ، منها؛ ضعف الإرادة أمام الإغراءات الماديّة، وضعف الصّبر في مواجهة الصّعوبات، والخوف المرضيّ من المواجهة، والميل إلى اختيار الطريق الأسهل حتى لو كان خاطئًا، والهروب من المسؤوليّات، وضعف الثّبات على المبادئ عند التعرّض للضّغوط، وهذا الضّعف يجعل الإنسان يتأرجح بين القرارات، ويفقده قدرته على الالتزام بما يؤمن به، وبالتّالي يتحوّل الإنسان من كائن فاعل ومؤثّر إلى مجرّد متلقٍّ سلبيّ للأحداث.
ناهيك عن أنّ استسلام الإنسان لضعفه في أوّل موقف، سيعمل على خلق دورة من التّراجع المستمر، فيصبح من الأسهل على الإنسان في كلّ مرة الاستسلام في المواقف التالية، ممّا يعني تآكل قوّة الإرادة لديه تدريجيًّا، إلى أنْ يصل الإنسان إلى حالة من العجز التّام عن مقاومة الشّر أو السّعي نحو الخير.
أمّا التّمرّد، وهو العامل الثّالث والأخطر في ثالوث الهلاك، فهو يمثّل الرّفض الواعي والمتعمدّ للحقّ والهداية، والإصرار على السّير في طريق الباطل رغم معرفة عواقبه، فالتمرّد يختلف عن الغفلة في كونه ليس نتيجة جهل، بل نتيجة كبر وعناد، فهو في جوهره عصيان للفطرة ورفض للهداية بتعنّت.
والتّمرد له جذور عميقة في النّفس البشريّة، ترتبط برغبة الإنسان في أنْ يكون إله نفسه، رافضًا أيّة سلطة عليا أو توجيه خارجيّ، وهذا ما نراه في قصّة إبليس عندما رفض السّجود لآدم، ليس عن جهل بل عن كبر وتمرّد، وفي عصرنا الحالي، يتّخذ التّمرّد أشكالاً متنوّعة، كالتمرّد على القيم الدينيّة والأخلاقيّة، والتّمرّد على السّلطة الأبويّة والمجتمعيّة، والتّمرّد على الفطرة الإنسانيّة نفسها بتصرّفات شاذّة منافية للفطرة والمنطق والعقل والدين، وهذا التمرّد يتجلّى في رفض كلّ ما هو مقدّس ومحاولة إعادة تعريف الأخلاق والقيم وفقًا للهوى الشخصيّ، فالتّمرّد المعاصر يتخفّى أحيانًا وراء شعارات برّاقة من مثل؛ الحريّة والتّقدّم والتّحرّر والمطالبة بالمساواة، لكنّه في جوهره رفض للحدود الأخلاقيّة والروحيّة التي وضعها الخالق لخير الإنسان ومصلحته.
وللتّمرّد عواقب وخيمة على المستوى الفرديّ والجماعيّ، فهو يؤدّي إلى القلق والاضطراب النفسيّ للأفراد، لكونهم يعيشون في صراع مستمرّ مع فطرتهم، ممّا يؤدّي إلى انهيار المنظومة الأخلاقيّة وتفكّك النسيج الاجتماعي للمجتمعات.
وهذا الثالوث المهلك من الغفلة والضعف والتمرّد ليس منبثقًا عن عوامل منفصلة، بل هي قوى متداخلة ومترابطة تقوّي بعضها البعض في دورة مدمّرة، فالغفلة تقود إلى الضعف، والضعف يمهّد الطريق للتمرّد، والتمرّد يزيد من الغفلة، وهكذا تستمر الدورة في حلقة مفرغة، فعندما يغفل الإنسان عن هدفه الحقيقي في الحياة، يفقد القوّة الداخليّة التي تحميه من السقوط، وعندما يضعف، يصبح أكثر عرضة للتمرّد على القيم والمبادئ، والتمرّد بدوره يزيد من الغفلة بإبعاد الإنسان أكثر عن الحقّ والهداية.
وهذا الثالوث يعمل بطريقة تدريجيّة وخفيّة، فيبدأ بتسلّل بسيط للغفلة، ومن ثمّ ضعف طفيف في الإرادة، وتمرّد صغير على بعض القيم، ومع الوقت، تتراكم هذه العوامل وتتضخّم حتى تسيطر على حياة الإنسان بالكامل، فالخطورة الحقيقيّة تكمن في أنّ هذه العمليّة تحدث ببطء شديد، ممّا يجعل الإنسان لا يلاحظها إلى أنْ يصل إلى مرحلة متقدّمة من التّدهور الروحيّ والأخلاقيّ.
ولكون اليأس أمرًا غير مقبول، فإنّ هناك طرقًا للنجاة ومواجهة هذا الثّالوث المهلك، وأوّل الطّرق اليقظة الروحيّة، وهي ترياق للغفلة، من خلال تذكّر الله والآخرة، والتفكّر في معنى الحياة والهدف من الوجود، والتزام الصّلاة والذكر وقراءة القرآن والتّأمل في خلق الله، والابتعاد عن المشتّتات والملهيات، والتّعامل مع العالم بوعي وحكمة، فهذه كلّها وسائل لتقوية اليقظة الروحيّة.
وثانيها تقوية الإرادة والعزيمة، لمواجهة الضّعف، وتتمّ من خلال التدريب المستمرّ على الصّبر والثّبات، والتحدّي التدريجيّ للنّفس في صغائر الأمور، والتزام الصيام لكونه تدريبًا ممتازًا للإرادة، إذ يتعلّم الإنسان السيطرة على رغباته الأساسية، وبناء الثقة بالنفس من خلال تحقيق إنجازات صغيرة ومستمرّة، ففي كلّ انتصار صغير على النفس هناك قوّة تراكميّة تنشأ لتساعده في مواجهة التحدّيات الكبرى.
وثالثها التواضع والانكسار، فهو دواء التمرّد، بالانكسار أمام الله، والاعتراف بالحاجة إلى الهداية الإلهيّة والاستسلام لحكمة الخالق، وهذا لا يعني الذلّ أو الضّعف، بل يعني الاعتراف بالحقيقة والقبول بالحدود التي وضعها الله لخير الإنسان.
ورابعها الدعاء والاستغفار والتوبة، وهي أدوات أساسية في علاج التمرّد، إذ تعيد الإنسان إلى جادّة الصواب وتصلح علاقته بخالقه.
ولكون الوقاية خير من العلاج، فإنّ هناك حاجة ملحّة لوجود تربية روحيّة مبكّرة تعمل على وقاية الفرد من ثالوث الهلاك، فتبدأ من التربية الصحيحة في الصغر، بتنشئة الأطفال على حبّ الله وتقواه، وتعلّم معنى المسؤوليّة والصّبر والتواضع، ممّا يجعلهم أكثر مقاومة لعوامل الهلاك الثلاثة، فضلًا عن غرس القيم والمبادئ في أعماق النفس بحيث تصبح جزءًا من شخصيّة الإنسان.
فالبيئة المحيطة تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل شخصيّة الإنسان، والمجتمع الذي يقدّر اليقظة الروحيّة والقوّة الأخلاقيّة والتّواضع، يساعد أفراده على مقاومة عوامل الهلاك، بينما المجتمع الذي لا يتصّدى للغفلة والضّعف والتّمرّد، يدفع أفراده نحو الهاوية، فالأخلاق والقيم الروحيّة ليست مجرّد أمور شخصيّة، بل هي أسس قوّة الأمم وبقائها.
وفي عصر العولمة الفكريّة وما حملته من تيّارات هائجة، انتشرت قيم الغفلة والضّعف والتمرّد بسرعة مذهلة عبر وسائل الإعلام والتكنولوجيا، وهذا أمر يتطلّب جهدًا مضاعفًا من المربّين والمفكّرين لمواجهة هذا التيّار وحماية الأجيال الجديدة من الانجراف نحو دوامّة الهلاك.
وبعد،
فإنّ الإنسان في أصل خلقه ليس محكومًا عليه بالسقوط في براثن الغفلة والضّعف والتمرّد، فقد منحه الله العقل والإرادة والهداية لاختيار طريق النور والصلاح، وما المعركة مع هذا الثالوث إلّا معركة يوميّة مستمرّة، تتطلّب يقظة دائمة وجهدًا متواصلًا، والنّصر فيها ممكن، ورغم أنّ الطريق إلى النجاة ليس سهلًا، لكنه ليس مستحيلًا أيضًا، فهو يبدأ بخطوة واحدة نحو اليقظة، ثم خطوة نحو تقوية الإرادة، وخطوة نحو التّواضع والانكسار، وهكذا، خطوة بعد خطوة، يمكن للإنسان أنْ يتحرّر من أغلال الثّالوث المدمّر ويسير نحو النور والسعادة الحقيقيّة.
فلنجعل من هذا التّأمل في ثالوث الهلاك دافعًا لنا للمراجعة والتقويم، ولنبدأ رحلة جديدة نحو التحرّر من هذه القيود وإعادة اكتشاف أنفسنا الحقيقيّة التي خلقها الله في أحسن تقويم….
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
