كربلاء… ثورة إحياء الدين المحمدي

 

بقلم ريما فارس 

لم تكن ثورة الإمام الحسين عليه السلام حدثًا عابرًا في التاريخ، ولا مجرّد مواجهة عسكرية تنتهي بانتصار أو هزيمة ميدانية. كانت كربلاء مدرسةً ربّانية أقامت في وعي الأمة صرحًا لا يزول، مدرسة علّمت الأجيال أنّ الدين المحمدي الأصيل لا يُحيا إلا بالتضحية، وأن الحق لا ينتصر إلا إذا اقترن بالصبر والثبات، وأن الدم الطاهر حين يسقط على تراب الإيمان يكتب للحق حياةً أبدية.

لقد كانت معركة الحسين عليه السلام معركة انتصار الحق على الباطل، معركة الروح على المادة، معركة الكرامة على الذل. ولو أنّ الحسين يومها انتصر دون أن يُقدّم نفسه قربانًا على مذبح الشهادة، لما تعلّمنا أنّ الجهاد في سبيل الله ليس سعيًا وراء نصر عاجل، بل موقف ثابت مهما كانت التضحيات.

لكن كربلاء لم تكن دمًا وسيفًا فقط، بل كانت بوابةً للجهاد يُعطيها الله لمن باع نفسه له خالصًا، وارتقى إلى مقام الفناء في سبيله. ففي كربلاء تجلى سرّ الصبر وسرّ الرضا، وسرّ المحبة الإلهية، وسرّ الثبات أمام الفتن، وسرّ الإيثار حتى آخر قطرة دم، وسرّ التوحيد الذي لا تشوبه شائبة خوف أو طمع، وسرّ اليقين الذي يبدد ظلمات الشك.

إنّ أربعين الحسين ع سرًّا لم تُكتب في كتاب، ولم تُختزن في سطور، بل نُقشت بدماء الشهداء على صفحة الزمن، ليبقى الحسين عليه السلام إمامًا للهداية، ومصباحًا لا ينطفئ، وبابًا من أبواب الأسرار الإلهية التي لا تُفتح إلا لقلوبٍ طهّرتها الشهادة.

مدرسة كربلاء لم تعلّمنا كيف نقاتل فقط، بل علّمتنا لماذا نقاتل. علّمتنا أنّ الشهادة ليست نهاية الحياة، بل بدايتها الحقيقية في سجل الخلود، وأن كل قطرة دم في سبيل الله تزرع في الأمة بذرة عزّة لا تموت. إنّها ثورةٌ باقيةٌ ما بقي الليل والنهار، تهتف في وجدان كلّ حرّ: “هيهات منّا الذلّة”، وتذكّرنا أنّ طريق الحق مفروش بدماء العظماء، ومضاءٌ بنور أسرار الله.

 

شاهد أيضاً

مع انتشار الآفات والسموم: لا تؤجل فحص القولون..

أسماء الجرادي عاماً بعد عام تتغير أوجاع الناس، وفي ظل تحديات هذا العالم الثقيلة، توسع …