بقلم علي خيرالله شريف
لاقى رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، رئيس الجمهورية جوزاف عون بالموقف الفظ تجاه المسؤول الإيراني الكبير دكتور علي لاريجاني. فنفذ الاثنان نفس الخطة المرسومة لهما بالتعاطي معه.
لم يتدخل لاريجاني البَتَّة بشؤون لبنان الداخلية، مثله مثل أي مسؤول إيراني آخر، ولكنَّ الرئيسين اللبنانيين المحترمين تصرَّفا معه بشكلٍ انفعاليٍّ صبيانيٍّ مستَهجَن. في حين أنهما لم ينطقا يوماً بردٍّ واحدٍ على تدخلات السعوديين والأميركيين والفرنسيين “والسنسكريتيين” اليومية بشؤون لبنان، وإملاءاتهم بما يجب فعله وما يجب تركه؛ من دعوات يزيد بن فرحان لإشعال حرب أهلية، إلى تَوَعُّد توماس باراك بضم لبنان إلى سوريا، إلى غيرهم ممن سبقهم. ثم إلى إعلان نتنياهو دعمَهُ لحكومة نواف سلام في قراراتها الأخيرة. كل هذه التدخلات السافرة لم تجعل الرئيسين ينبُسان ببنتِ شَفَة للرد عليها، بل مَرَّت وكأن شيئاً لم يكن. كل أنتينات الرئيسين وأنتينات مستشاريهم ومرشديهم، مسلطة على تصريحات الإيرانيين فقط. فإذا ما قال إيرانيٌّ “صباح الخير لبنان”، تبدأ عنتريات وإرهاصات السياديين الكذابين، النفخَ بالنفير وقرع طبول الضجيج والعجيج. وكأن عروشهم الرملية دُكَّت، وصروحَهم الفينيقية هُتِكَت. فيثرثرون ويلقلقون ويزندقون دون حياء وبشكلٍ مُهين. ليس للضيف، بل لهم ولبلدهم المسكين.
انتفخت أوداج “النوَّاف” وأخذته العزة بالسيادة. ثم تمنطق وتحذلق وتمخَّض وأنجَبَ؛ أن “مركز القرار اللبناني هو مجلس الوزراء”، “وأن قرار لبنان يصنعه اللبنانيون وحدهم”، الذين “لا يقبلون وصايةً أو إملاءً من أحد”. وأن “قرارات الحكومة اللبنانية لا يُسمح أن تكون موضع نقاش في أي دولة أخرى”(يا ليت هذا الكلام يُطَبَّق خاصةً على واشنطن والرياض وباريس). هكذا حكم القاضي “قراقوش” سلام، وحسم وأنذر وهدد وتوَعَّد… وبناءً عليه، ارتعدت فرائص حكومة إيران رعباً، ولن تجرؤ بعد اليوم على النطق بكلمة واحدة عن قرارات الحكومة اللبنانية السيادية الفرعونية الفينيقية الحرة المستقلة الديمقراطية القادرة المقتدرة الواسعة الساطعة الـمُنيفة النَوَّافة المديدة الوارفة.
إنه كلامٌ مردودٌ عليك يا “دكتور” نَوَّاف سلام(شَدِّدوا على لقب الدكتور لإدخال السرور إلى قلب دولته). وعندما تتكلم عن السيادة، ابدأ بمن يعتدي فعلاً عليها؛ ذلك الذي حبس في فندق الريتز في الرياض، رئيس حكومة لبنان(إن كنتَ تعرف لبنان) وهو في منصبه، ثم أجبره على الاستقالة. وابدأ بالذي فرض على حكومة لبنان عزل وزيرين نزولاً عند غريزة ولي العهد. وابدأ بالدول التي ترسل إليك الإملاءات عبر سفرائها ومبعوثيها، وتفرض عليك تنفيذها وإلّا…. وابدأ بالدول التي فرضتك علينا رئيس حكومة وفرضت جوزاف عون رئيس جمهورية، لكي تنفذا أجنداتها. وابدأ بالدولة المعتدية التي تضربنا كل يوم بينما أنت تقيم الاحتفالات والمسرحيات في السراي الحكومي دون اهتمام بمصائب مواطنيك. وقبل كل ذلك ابدأ بنفسك وبحكومتك وبفخامة رئيسك، لأنكم أكثر من يعتدي على سيادة لبنان ويرهنها لغرائز الخارج وشهواته. وهذا ما يُنذِرُ بزوال لبنان من الوجود في عهدكما الميمون. أما إيران فهي الدولة الوحيدة التي لا يحق لك أن تنتقدها أو تقلل من لياقتك مع مسؤوليها، لأنها الوحيدة التي تحترم سيادة لبنان وتدعمه ليكون عزيزاً غير ذليل. ولا يحق لك ولغيرك أن تُقَصِّرَ في لياقاتك الدبلوماسية مع القادمين منها، مسؤولين كانوا أم مواطنين، لأنهم أشرف مما تتصوَّرَ، ومن يُحسِنُ استقبالهم يناله شرفٌ لا شرفَ قبله ولا بعده. أما جوقة حَسَبَالله التي تثرثر على الشاشات خلفكَ، وتصَفق لك، بأسلوبها الـمُخزي والوضيع، فلا شأن لنا بها لأنها عودتنا على أن تكون من الصُمِّ البُكم العُمي الذين لا يفقهون، على قاعدة “عنزة ولو طارت”.
إن الأثمان التي دفعها لبنان يا دولة الرئيس، لم يدفعها أحدٌ غيرنا، بسبب تقاعس دولتك الـمُزمن في الدفاع عن البلد. فتفضَّل بإجراء جردة حساب بمدفوعاتك أنت وداعميك وحلفائك دفاعاً عن لبنان. وتفضل بإخبارنا عن نفسك من أنتَ، وأين كنت، يوم دفعنا ما دفعناه من مالنا وبيوتنا وأرزاقنا وشبابنا وأطفالنا ونسائنا. وماذا فعلت، للدفاع عن مواطنيك بوجه كل عدوان منذ تعيينك رئيس حكومة؟ ولن نحاسبك عن أسلافك من أشباهك عما جرى منذ العام 1943 لغاية تعيينك.
نحن نعرف أنك لم تفعل شيئاً سوى انتظار دورك على أعتاب السفارات لكي يعينوك مفوضاً سامياً علينا، فتعمل لحسابهم وتزيد من معاناتنا وتطبِّقَ بدائلهم لإخضاعِنا كما تفعل اليوم.
أصلاً يا دولة الرئيس أنت لا تنأى بنفسك عن التدخل بشؤون الدول الأخرى فحسب، بل تنأى بنفسك حتى عن التدخل بشؤون لبنان الحقيقية. فأنت مثلاً لا تتدخل لحل أيٍّ من أزمات البلد، لا الكهرباء ولا النفايات ولا الأزمات الاقتصادية ولا المالية ولا الصحية ولا الغذائية، ولا مصائب المودعين ولا استخراج الغاز والثروات، ولا ردع العدوان ولا تحرير الأسرى والأرض. نراك فقط ونرى فخامة رئيس الجمهورية، لا تبحثون إلا عن تجريد لبنان من القوة الوحيدة التي يملكها، وتسعون وراء التَسَوُّل والاقتراض والتذلُّل للدول المانحة التي تمنعنا من استخراج نفطنا لنبقى مأجورين لها، ثم تفرض علينا قروضها وشروطها، ومن هذه الشروط سحقنا وبيع مؤسساتنا وأرضنا، ولعب دور كلاب حراسة لعدونا. وإن التسوُّل والاقتراض سيؤديان حتماً إلى إرهاق اللبنانيين بالمزيد من الضرائب والفقر والجوع والتشَرُّد، بفضل عهدكما والعهود التي سبقت.
توقف يا دولة الرئيس عن عزف أنشودتك الممجوجة عن السيادة وعن رفض التدخلات، فالقاصي والداني يعلم أنك أتيت إلى الحكومة بتدخل دولي في شؤون لبنان، وبالتحديد تدخل أميركي سعودي فرنسي. والقاصي والداني يعلم أنك ترقص على أنغام تلك التدخلات. ونتحداك أن تدلي بتصريح واحد لا ترضى عنه السعودية أو السفارة الأميركية.
إن القشعريرة والعبسة “القمطريرة”، اللتان ظهرتا عليك أثناء استقبالك للدكتور لاريجاني، ” كانتا بمثابة “اشهدوا لي عند الأمير”، ودلَّتا بوضوح على انفصام شخصيتك، وعلى أنك فاشل كرئيس حكومة ولا تعرف أن تحكم إلا بالإملاءات. وفاشل كقاضٍ لأنك لا تُنصف بين الصديق والعدو ولا بين الحق والباطل. وفاشلٌ في الوطنية لأنك تناصر الغريب ضد ابن بلدك. وهذه الصفات تُسقِطُكَ من أن تكون جديراً بالحكم في المحكمة كما في الحكومة.
إن تعامل بعض المسؤولين الرسميين اللبنانيين(خاصة الثنائي عون وسلام)، غير المسؤول، مع الإيرانيين، أتى بتوجيه من السعودية. وهذا يدل على أن السعودية غير صادقة فيما يُشاع عن نيتها تحسين علاقاتها مع إيران. وإن اللبيب من الإشارة يفهم.
مساء الخميس 14 آب 2025
وكل انتصار وأنتم بخير
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
