بقلم: أمين السكافي
من الأضلع البارزة، من صدور الأطفال، من شفاههم المتشققة، من أعينهم التي لم تعد ترى إلا الفراغ، من البطون الخاوية إلا من آلام الجوع، من أشلاء أطفال تُجمع في محاولة لإعادة جسدٍ تقطع إلى ما كان عليه، إلى أكفان باتت هوية الغزاويين وبطاقة تعريفهم؛ من عجائز فقدوا كل شيء، حتى أرواحهم، من نساء ثكلى وهي تسلم أطفالها للموت، من رجال آمنوا وصبروا حتى طال الصبر عليهم كما طال أيوب النبي، ينظر لغزة وما حدث ويحدث بها، وتدمع عيناه شفقة على أطهر وأنبل البشر، وكأنه يتعجب من صبرهم.
ومن الضمير الإنساني الذي استحال مسخًا لا يسمن ولا يغني من جوع، من بشر تركوا دينهم وعادوا إلى جاهلية لم يتركوا صغارهم منها شيئًا، ظنوا أنفسهم كبارًا تافهين، فكانوا كأنهم لم يكونوا. من دمار غزة: أبنيتها، بيوتها، مؤسساتها، شوارعها، حتى مقابرها دُمرت، من أمة تأكل ما لذ وطاب وتشرب حتى ترتوي وتنام على الوثير من الفرش، بينما غزة تجوع وتعطش وتنام على جمر الحقد وشظايا العدوان الملتهبة. سنتان مرّتا على غزة كأنهما ألف سنة مما تعدون.
ما الذي سنقوله غدًا لله وللتاريخ ولحاضرنا ولأطفالنا حين نسأل عن ماذا قدمنا لغزة وشعب غزة، ونحن لم نغير من المنكر شيئا سوى بقلوبنا وذلك أضعف الإيمان ؟ حتى ألسنتنا أصابها الصدأ العفن، وبتنا لا نملك ما نقدمه سوى كلمات لا تقدم ولا تؤخر، ولا تبعد القدر المحتوم لغزة، شلال الدماء الذي لا ينضب. أخجل من خجلي لأنني لا أملك غيره، في حضرتك وفي حضرة الموت: جوعًا، أو رمياً بالقذائف، أو عطشًا، أو قنصًا. الويل لأمة كثُر فيها المصلون وقل فيها الصارخون بالحق، أمة أصبح دينها عادات وتقاليد تُمارس، وتركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى أضحينا أصنامًا لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم.
من بيروت إلى القاهرة إلى الرياض إلى بغداد إلى عمّان، وإلى وإلى وإلى عواصم لبلدان تحتوي شعويا عربان وعرب ومجهولي النسب، شوارع غزة باتت ركامًا، وإناس غزة باتوا هياكل بشر، هذا من لم يمت منهم بالحمم. غزة لا يكفيها التعاطف، غزة بحاجة إلى موقف، إلى تحركات شعبية، إلى ناصر ينصرها، غزة بحاجة لبندقية وكفى، فما أخذ بالقوة لن يسترد إلا بالقوة المخبأة لدى الجيوش العربية لأيام الاستعراضات، أو أن مات ملك أو نصب رئيس.
غزة ذات المئتين ألف شهيد وجريح استصرختكم بما يكفي، حتى بح صوتها ولم تعد تقوى لا على الصراخ ولا على مقاومة الموت، ولقد بات الموت في غزة راحة لمن يصبه، فيريحه من آلام العيش في غزة. انقذوا غزة، وأنقذوا أنفسكم، وفي غزة انقذوا ما تبقى من شرف وكرامة لكم، هذا إن كان لكم أصلًا. اللهم فاشهد، اللهم إني قد بلغت، وأعلم أن هذا لن ينجيني من سؤالك يا الله .
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
