يروي صديق الإمام موسى الصدر النائب الأستاذ غسان تويني

*طلع الفجر من الجنوب فليرفع المؤذّن أذانه ولتدقّ الأجراس إعلاماً لصلاة الصبح وليستعدّ المواطنون جميعاً للصلاة*

*سأبدأ مداخلتي بشهادات من سماحة الإمام لن يفوتكم مغزاها ولا المغزى من اختيارها.*
“هناك… في عيتا الشعب، في القرية الجنوبية الصامدة، في الليل المُظلم المُدلَهِمّ بالظُلم والظلام.
هناك… حيث تمطر الأجواء رعباً وإذلالاً وموتاً وأطماعاً.
هناك… شموع ثلاث أضيئت بدماء ثلاثة شبّان في عمر الورود، أحمد بليبل من الهرمل، فائز سلامة من البسطة وعادل بجاني من الأشرفية، انتقلوا من أحضان الأمهات إلى مواجهة الموت المحتوم، على رغم كلّ الأعراف.
هناك… كانت هذه الشموع مع رفاق لها كالنجوم، واحترقت فأضاءت الليل وطلع الفجر.
لقد طلع الفجر، فليرفع المؤذّن أذانه ولتدقّ الأجراس إعلاماً لصلاة الصبح، وليستعدّ المواطنون جميعاً للصلاة.
إنّ الفجر طلع من الجنوب…
هناك… يُكتب التاريخ بأشرف دم وأصدق نيّة وأخلد كلمة.
هناك… تتجسّد الوحدة الوطنية الحقيقية لا المنافع والمغانم.
هناك… في رميش، وفي كفرشوبا، طلع الفجر.
فلنرحل من ليل العاصمة الأليم إلى هناك وننقل المدافع والهواوين والصواريخ والمتاريس إلى هناك، ولنحوّل جرائمنا هنا إلى بطولات هناك، وتشتُّتنا إلى اتفاق، وأطفالنا إلى رجال، ولنرفع شعار: الوطنية بالسلوك لا بالأقلام والصرخات”.
*كتب الإمام ذلك في 27/5/1975 في مقال افتتاحي في جريدة النهار، وكانت “الحرب من أجل الآخرين” بالكاد بدأت.*
*فسارع إلى إدانتها، ثم اعتصم في الكلية العاملية ومعه المطران جورج خضر وآخرون.*

*كنّا مجموعة ملتفّة حول سماحة الإمام قبل اجتياح 1978 نبحث في كيفية تحويل الجنوب إلى “مجتمع مقاوم”*
وقد وضعتُ وقت ذاك ورقة مفصّلة بما آلت إليه تأمّلاتنا، ولم نكن كلّنا من الجنوب بالذات – ولو كنّا بالروح جنوبيين – وقد استضافنا في معظم الاجتماعات مؤسّس الندوة اللبنانية ميشال أسمر.

*يقوم المشروع الذي انتهينا إليه “مجتمع مقاوم” على عناصر خمسة:*
*1*. تحصين القرى الأمامية تحصيناً حقيقياً على نسَق الكولخوزات الإسرائيلية في الجانب الآخر من الحدود، وبالذات القرى التي كانت مستهدفة ويهاجر منها أهلها على أمل أن يعودوا إذا تحصّنت.
*2*. تسليح الأهالي وتدريبهم عسكرياً وبإشراف الجيش على استعمال الأسلحة الفردية المتطوّرة ثم تشجيعهم على حمل الأسلحة خلال قيامهم بأعمالهم نهاراً في الحقول والمصانع.
*3*. تشجيع طلاب الجامعات ومَن يريد من الشباب للتطوع في الخدمة العسكرية و”المدنية” هناك لفترات، أي للمشاركة في العمل مسلحاً في الحقول والمصانع والمتاجر نهاراً، وللمشاركة في الحراسة ليلاً. واستطراداً، تشغيل عناصر الجيش من نظاميين ومجنّدين بالتعمير والمشاريع التنموية، كما في تجهيز الجنوب بما يحتاج إليه لواء الهندسة مثلاً كمنطقة محرومة من طرقات ومبَانٍ ومياه…
*4*. إرسال عناصر من الجيش خصوصاً من صف الضباط لتدريب الأهالي والمتطوعين، ولتولي مسؤوليات قيادية في الحراسة إلى جانب المشاركة في التطوع للمعاونة في النشاطات الاقتصادية.
*5*. حشد ما يمكن من قوى الجيش في الثكنات والمراكز الجنوبية من صور وصولاً إلى مرجعيون فجزين… على أن تكون القطع العسكرية في حالة تأهب دائم ومدرّبة ومنظّمة على نحو يجعلها سريعة التحرّك عند الحاجة، مجهّزة للتدخل الفوري في حال الاعتداء، من غير حاجة إلى انتظار أوامر السلطات السياسية.

*هذه الخطرات هي من الذاكرة طبعاً وقد تسألون:*
*محورها إذاً التسلّح؟ نعم. أجيب مردّداً قول الإمام الذي تعرفون:*
“*السلاح زينة الرجال شرط ألاّ يُرفع إلاّ في وجه العدو*”.

وأستطرد مستشهداً بقول يلخّص فلسفة المقاومة:
“*نريد أن نحمي أنفسنا حتى لا تتحكّم بنا أحقر الشعوب – الشعب الصهيوني – وحتى لا تُهَدّم بيوتنا، نريد أن يكون لبنان حقيقة هو الصخرة التي تتحطّم عليها مطامع الصهيونية*”.
“*إنّ الخطر الكبير على لبنان يأتي من عدم الدفاع الذي يصوّر للعالم أنّ الجنوب أرض سائبة لا مانع من أن تحتلها إسرائيل*”.

*هنا ملاحظة*: لا مانع من أن تحتلها إسرائيل وقد احتلتها فيما بعد، فلم تمانع الدولة ولم تدافع.

*فلسفة خطة “مجتمع المقاومة”*
هذه خلاصة الخطة، من الذاكرة طبعاً.
أمّا منطلقها النظري، أي ثقافتها، بل فلسفتها، فمزدوجة:

*أولاً: على المستوى التنموي في الجنوب*

*1*. الحؤول دون قيام “الأرض السائبة” أو “البيت البلا سقف” وفهمكم كفاية.
مثلاً: الدعوة للرجوع إلى عيتا الشعب ورميش وكفرشوبا وتشجير القرى المتاخمة للحدود حتى لا تظلّ فلسطين المحتلة خضراء، والجنوب أجرَد بل مصحّراً فيحسد الجنوبيون الإسرائيليين!
*2*. إعادة المهاجرين والمهجّرين إلى الجنوب، ليس فقط بتوفير الحماية العسكرية ووسائل الدفاع عن النفس، إنّما بإطلاق النشاطات الاقتصادية وإعادة الثقة بالأرض وبالمجتمع، وتوزيع الأشتال والقيام بالتشجير المثمر… وصولاً إلى توزيع قوافير النحل لإنتاج العسل.
وهذا ما فعلتُه شخصياً خلال جولة في الجنوب بمشاورة سماحة الإمام لمّا توليتُ وزارة الشؤون الاجتماعية في حكومة تموز 1975، وقد حاول الجيش مع الأسف ردعي عن الجولة على قرى الحدود الأمامية بموازاة الشريط خوفاً على سلامتي، قالوا! فلم أرتدع… ولا أزال حياً.
*3*. تأمين الخدمات الاجتماعية والصحية وإحياء المدارس وكل مؤسّسات الحياة المنتظمة.
*4*. إيجاد شبكات تسويق تعاوني للمنتجات الجنوبية وتشجيع المنتجات الحرفية كالفخار في “راشيا الفخار”…
*5*. في مرحلة لاحقة، تشجيع إقامة صناعات كبرى وإنشاء مناطق صناعية وشبكات نقل عمومية رسمية تخدم هذه المناطق.

*ثانياً: على المستوى السياسي العام*

*إقامة حكم أو توجّه الحكم القائم وفق المبادئ التالية:*
*1*. الجنوب ليس قضية شيعية، وحرب الجنوب ليست قضية جنوبية معزولة، كلّ اللبنانيين من كلّ الطوائف يجب أن يُبنى فيهم الوعي الجنوبي ذاته تجاه العدو الوحيد المشترك، وأن ينمو الوعي في اتجاه قتالي مقاوم، يرافقه التجذّر الخلاّق في الأرض.
*2*. قيام حملات دبلوماسية – هذا كلّه نقلاً عن كلام لسماحة الإمام – وإعلامية دولية لتوعية العالم حول قضية الجنوب، ثم تأمين انعكاس هذه الحملات على الداخل اللبناني وفي ضمير جميع اللبنانيين من دون تمييز.
*3*. إرسال الجيش إلى الجنوب ومشاركته في المقاومة دفاعاً وقتالاً، وإحاطة العمل العسكري – المدني المشترك بهالة دبلوماسية وإعلامية لفرض كرامة الدولة وثقة العالم بجدّية الحكم والأمّة، وكذلك بتمسّك لبنان باستقلاله الناجز ووحدته، وجنوبه وبقاعه وجبله وكلّ أرضه، ثم إبراز تجذّر الجنوبيين في أرضهم وانتمائهم الوحدوي إلى لبنان الممارس سيادته على كامل ترابه.
*4*. احتضان المقاومة الفلسطينية في العقيدة السياسية اللبنانية، أي الحؤول دون قيام تناقضات بين المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، فالمقاومة الفلسطينية المثالية بالنسبة إلى الإمام هي ما يجب توجّهها صوب فلسطين بغية محاربة إسرائيل وتأكيد حق العودة.
في حين أنّ المقاومة اللبنانية هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن الدفاع عن الأرض اللبنانية وصدّ العدوان الإسرائيلي ولو متذرّعاً بالنشاط الفدائي الفلسطيني، علماً بأنّ هدف المقاومة الأبعد – حيث هي مستقلّة كلّياً عن العمل الفدائي – هو الحؤول دون قيام ظروف موضوعية سياسية وحزبية وأمنية تذوب بنتيجتها الصِلة الرحمية (كعضوية) بين الدولة والقرى الجنوبية، بحيث تتوقف الدولة عن تعزيز قدرة الجنوب على المقاومة، فلا تجد القرى الحدودية، ولنقل الأمامية، لدى الدولة في الجنوب تجاوباً مع حاجاتها الحياتية.

*ختاماً، هذه الخلاصة:*
إنّ البرهان على صحة شروط “*المجتمع المقاوم*” الثقافية بالمعنى الأعم تبعاً لنظرة الإمام موسى الصدر، هو أنّ عدم اتّباع هداها أدّى إلى ضياع الدولة في تحمّل مسؤولياتها؛ فاستباقاً لما يمكن أن تستتبعه ملاحظاتي من مقارنة بين المجتمع المقاوم في نظرة الإمام الصدر والمقاومة كما تدرّجت منذ الاحتلال حتى سقوطه، لا بدّ من الإشارة إلى الواقع الآتي:

*أولاً*: المقاومة اللبنانية نجحت رغم غياب الدولة وفراغها، فليست هي المسؤولة عنه بل الدولة ظلّت غريبة عن ثقافة مجتمع المقاومة، ومع ذلك ترفع علَم تأييدها “ترفعه بديلاً عن مساعدتها والتنسيق معها”.

*ثانياً*: على المقاومة التي تستمر تعلن أنّها ليست بديلاً عن الدولة، أن تلحّ في طلب قيام الدولة بتحمّل تبعاتها وممارسة سيادتها في الحقلين العسكري والاجتماعي فضلاً عن الحقل السياسي، ثم فضلاً عن ضرورة نشر ثقافة المقاومة – وأقلّها آدابها – في كلّ فئات وطبقات المجتمع وأحزابه وعائلاته الروحية.

*ثالثاً*: يجب أن تعزّز المقاومة جدّياً توجّهها إلى جميع اللبنانيين وبنوع أخص إلى المسيحيين خارج الجنوب كما داخله، في عودة منها إلى استلهام الالتفاف الوطني والمسيحي بالذات حول حركة الإمام الصدر ودعوته منذ انطلاقها.

*بحاجة إلى مَن يعيد تلاوة آيات الإمام في خطبته الفريدة في التاريخ مفتتحاً شهر الصيام في كاتدرائية مار لويس للآباء الكبّوشيين في شباط 1975*
ولا أخالكم ولا أخالنا، بحاجة إلى مَن يعيد تلاوة آيات الإمام في خطبته الفريدة في التاريخ، مفتتحاً شهر الصيام في كاتدرائية مار لويس للآباء الكبّوشيين في شباط 1975.
ولا أحد يجب أن ينسى أنّه وبنوع أخصّ في 24 أيلول 1974 جرى استقبال الإمام الصدر في عشقوت، البلدة الكسروانية المارونية، بقرع الأجراس وناداه الشباب هاتفين:
” *لن نتخلّى عنك يا إمامنا، يا قداسة الإمام، ما دمت تنادي في كلّ زاوية من زوايا هذا الوطن بالمساواة والوحدة التضامن”.*

*صديق الإمام موسى الصدر النائب الأستاذ غسان تويني / مؤتمر كلمة سواء سنة 2000 – المقاومة والمجتمع المقاوم*

مخطوطة موسوعة
الإمام موسى الصدر
إمام النهضة والإصلاح والمقاومة

شاهد أيضاً

السلطة الحاكمة في صنعاء بنظر العالم انها سلطة انقلابية غير معترف بها دوليا

الحقيقه لاغير حميد عبد القادر عنتر لكنها في نظر الشعب اليمني سلطة حاكمة فرضت امر …