كتب إسماعيل النجار
تشهد الساحة اللبنانية في الآونة الأخيرة تصعيداً سياسياً وأمنياً متسارع الوتيرة، على خلفية تجدد المطالب الرسمية والحزبية بتسليم سلاح المقاومة، وهي المطالب التي يقودها تيار واسع داخل السلطة وبعض القوى المتحالفة معه، تحت شعار “حصرية السلاح بيد الدولة”. هذه الدعوات تلاقي رفضاً قاطعاً من قيادة حزب الله وحركة أمل، اللتآن تعتبران السلاح جزءاً من معادلة الردع مع العدو الإسرائيلي وضمانة لحماية لبنان من أي عدوان خارجي.
الرفض الشعبي لم يقتصر على القوى السياسية الشيعية، بل تجسد في استنفار شعبي واسع داخل البيئة الحاضنة للمقاومة، حيث خرجت مواقف حاسمة من شخصيات دينية واجتماعية من غير المذهب الجعفري تؤكد أن التخلي عن أي قطعة سلاح ليس وارداً. اللافت أن هذا الموقف يحظى بزخم إضافي من شرائح كبيرة من الأقليات الدينية في لبنان، التي ترى في بقاء المقاومة المسلحة ضمانة للتوازن الداخلي وردع المشاريع الإسرائيلية والأميركية في المنطقة.
في التصعيد المتبادل على أرض الواقع، دخل المشهد مرحلة “الهجوم والهجوم المضاد”، حيث تصعّد بعض الأطراف السياسية خطابها ضد المقاومة، فيما ترد الأطراف المؤيدة لها بخطاب موازٍ، محذرة من أن أي محاولة لنزع السلاح بالقوة ستؤدي إلى “فتنة داخلية” وخلط أوراق في الشارع، والذي أزَّمَ الأمور أكثر فأكثر هو دخول البعد السني الشيعي
بعدما أخذت تطورات الملف منحى أكثر حساسية مع تصَدُر الشيخ حسن مرعب، أحد أبرز الشخصيات السنية المتلونه، على خط الدفاع عن رئيس الحكومة. هذه الخطوة، وإن كانت تهدف بظاهرها إلى حماية موقع رئاسة الحكومة من التصعيد السياسي، إلا أنها ساهمت بحكم الاصطفافات الطائفية في رفع منسوب التوتر بين الشارع السني والشارع الشيعي، ما جعل احتمالات الصدام بين الطرفين أكثر قرباً من أي وقت مضى. وفي ظل تفاقم الوضع بين الطرفين سؤال يطرح نفسه إلى أين تتجه الأمور إذا استمر التصعيد على وتيرته الحالية؟ فهل يحتاج الملف إلى تدخل خارجي ضامن (إقليمي أو دولي) لوقف الانزلاق. وذلك أفضل من مواجهة داخلية محدودة أو مفتوحة تبدأ باحتكاكات في الشارع وقد تتطور إلى مواجهات أمنية، ما يعيد لبنان إلى أجواء الانقسام الحاد وربما العنف الأهلي، لبنان اليوم أيها الإخوة أمام مفترق طرق حقيقي، حيث يتقاطع الصراع على سلاح المقاومة مع الانقسام الطائفي والمصالح الإقليمية والدولية. وأي خطوة غير محسوبة قد تتحول إلى شرارة فتنة داخلية يصعب السيطرة عليها. وفي المقابل، يبقى الرهان على العقلاء من مختلف الأطراف لوقف التصعيد، وإعادة النقاش إلى طاولة الحوار بدل ساحات الشوارع،لأن لبنان يقف اليوم بين مطرقة الداخل وسندان الإقليم وسلاح المقاومة موضوع الخلاف بعد دخول العامل الإيراني على خط النزاع الداخلي وتحويله إلى ملف إقليمي أصبح في مأمن أكثر، بعد زيارة علي لاريجاني إلى بيروت، والتصريحات الحاسمة للمرشد الأعلى السيد علي خامنئي الذي أكد أنه “لن يسمح بنزع سلاح حزب الله حتى لو خاض حرباً لأجل ذلك”. هذا الموقف نقل القضية من مستوى النقاش الداخلي إلى مستوى المعادلة الإقليمية الكبرى، إذ بات السلاح جزءاً من الأمن القومي الإيراني، وأي مساس به يعني مواجهة مع محور المقاومة، تصريحات القيادة الإيرانية تهدف الى تعزيز موقف حزب الله وحلفائه داخلياً، وجعل التنازل عن السلاح خياراً غير وارد في المدى المنظور. وإضعاف حجج المطالبين بنزعهِ، لكونهم سيواجهون إرادة إقليمية صلبة لا يمكن تجاهلها.
كما يهدف إلى رفع مستوى الردع الإقليمي في وجه أي محاولة إسرائيلية أو أميركية لتحريك سيناريوهات التصعيد.
*في المقابل، أدى هذا الموقف إلى زيادة الاستقطاب الطائفي والسياسي، وإضعاف فرص أي حل وسط محلي.
فالسيناريوهات المحتملة بعد كل ما حصل تورِد إحتمال تجميد الملف وبقاء الوضع على ما هو عليه اليوم، مع تركيز الداخل على الأزمات المعيشية، في ظل توازن الردع القائم. أو حدوث تصعيد محدود عبر اشتباكات سياسية أو احتجاجات في الشارع، دون انزلاق لحرب أهلية بفعل الضمانات الإقليمية.
إذاً تم تدويل الأزمة بحيث يصبح ملف السلاح بنداً دائماً في المفاوضات الإقليمية بين إيران والغرب، ويرتبط بمسارات أوسع تشمل الاتفاق النووي والملفات الساخنة في غزة واليمن.
ولبنان اليوم يقف على خط تماس دقيق بين الصراع الداخلي والحسابات الإقليمية. الملف الذي بدأ كجدل داخلي حول “حصرية السلاح” تحوّل إلى قضية ذات أبعاد استراتيجية، تداخلت فيها إرادة الداخل مع مصالح الخارج. وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات تتراوح بين التجميد المؤقت والتصعيد المحسوب، مع بقاء سلاح المقاومة عنواناً للانقسام وورقة قوة في آن واحد.
بيروت في ،، 13/8/2025
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
