*يا محمد علي الحسيني، تبريرك لا ينفع… عليك الاعتذار من جبيل

بقلم: ناجي علي أمهز

لا يا محمد علي الحسيني، التعايش هو الأساس، أما أنت فلا تضر ولا تنفع، ولا تؤمّن أحدًا ولا تخيف حتى فأرة.

لقد أطللت علينا بتغريدة جديدة، محاولًا تبرير دعوتك السابقة لهجرة أهلنا من مناطقهم، عبر حكمة مقلوبة ومعنى معكوس. لكننا في علم اللغة والإشارة، نقرأ الممحوّ، فكيف بالمكتوب من متذاكٍ مثلك؟ فتغريدتك الجديدة التي تقول: “من أخافك لكي يؤمنك خير لك ممن يؤمنك لكي يخيفك” وربطها بتغريدتك السابقة، ليست إلا سفسطة لتبرير دعوة الفتنة الأولى. ومحاولة يائسة للقول: “نعم، لقد أخفتكم، لكن خوفي عليكم هو لضمان أمنكم، أما تطمينات الآخرين فستقودكم إلى الخطر الحقيقي”.

إنها مناورة لا تنطلي على أحد، وإصرار على موقف يعتقد صاحبه أنه يمثل صوتًا إلهيًا منزلًا، متوهمًا العصمة والقداسة لنفسه، غير مدرك أن تاريخنا يعج بأمثاله من الذين حرضوا على الفتن وكفّروا العالم حتى أخرجوا أوطاننا من سياق المستقبل.

يا محمد الحسيني، أنت لا تسمع ولا ترى ولا تفقه شيئًا. لقد أخطأت خطأً فادحًا بحق جبيل، مدينة الحرف والتعايش. أردت أن تغرس خنجرك المسموم في تاريخها المشرّف الذي يؤسس لحضارة العيش الواحد، والذي يجعل منها نموذجًا أمثل في هذا العالم. جبيل، التي كانت دومًا مهد الحضارات، ستبقى شريكًا في بناء كل حضارة تنهض.

إن تحذيرك يستهدف جبيل على وجه الخصوص، فتهجير أهلنا من البقاع والضاحية أمر شبه مستحيل. أنت تقصد جبيل لأسباب باتت واضحة، أهمها أنها ستكون “المنطقة الخضراء” في لبنان، والتي لا يجب أن يبقى فيها، وفقًا لمشروعهم، أي صوت رافض للوجود الغربي.

لكن ما تدّعي أنك “تسمعه وتراه” اليوم، قد كتبت عنه ورسمت مشهده بتفاصيله منذ عام 2017. لقد حذّرت من مخططات ترحيل الشيعة الجبيليين عامًا بعد عام، قبل أن يسمع بك أحد. ولأنني كنت أعلم وأعرف، استخدمت كل علاقاتي، خاصة مع النخب المسيحية المتنورة، من أجل تعزيز الاستقرار وإعادة بناء الثقة.

بسبب تمسكي بخطاب التعايش الجامع، الذي ادخرته لمثل هذا الوقت العصيب، نبذني إعلام محور المقاومة وصورني البعض كجبان يقف في منطقة رمادية، لأنهم كانوا غارقين في عنتريات وبطولات وهمية، ولم يدركوا ما يُحاك لهم. لم يعلموا أنني لو أردت تعبئة مشاعرهم بكلماتي لأشعلت القلوب وفجّرت الدماء، وليذهبوا بعدها إلى الجحيم المهم تصفيقهم لي. لكنني، ولأنهم أهلي وأبنائي، عملت بصمت لساعات طويلة مع شخصيات فاعلة في الداخل والخارج، أسعى لتخفيف الاحتقان ومواجهة خطاب الأبواق المسيء، وهدفي الأوحد هو الحفاظ على سلامتهم وبقائهم في بيوتهم وأراضيهم بأقل الخسائر الممكنة، رغم كل المتغيرات الكبرى التي تستهدفهم.

وهنا يكمن الفرق الجوهري بيننا يا محمد الحسيني. أنا استخدمت علاقاتي لأساعدهم وأحميهم، بينما أنت تستخدمها لتخيفهم وترعبهم وتشتتهم. دوافعك معروفة، فأنت مدفوع بحقدك ورغبتك بالانتقام ممن طردوك، ولن يبرد قلبك حتى لو ماتوا جميعًا، لأنك ربيب العنف والقهر. أما أنا، فعندما أُبعدتُ عن منابرهم، حنوت عليهم أكثر وعاملتهم بمحبة أكبر، لأنني ربيب ثقافةٍ تستلهم من رحمة المسيحية، ومن عمق إنسانية الإمام علي، ومن تضحية الإمام الحسين. ثقافةٌ علّمتني أن أحب حتى من أساء إليّ.

إن خطأك الأكبر لم يكن بحق الشيعة فقط، بل كان إساءة مباشرة وعميقة للمسيحيين في جبيل وكسروان. لقد صورتهم كأنهم سيكونون إما شركاء في مشروع طرد أهلهم وجيرانهم الشيعة، أو متفرجين صامتين على نحرهم على يد التكفيريين. تأكد يا حسيني، إن كانت الكنيسة لا تقبل أن يُساء إليها بكلمة، فكيف لها أن تتحمل دماء شيعة جبيل على أرضها؟ كن على يقين أن أديرة جبيل ورهبانها، قبل سياسييها وأهلها، سيكونون في طليعة المدافعين عن الشيعة وحمايتهم بأشفار العيون.

لا يا محمد الحسيني، أنت مدّعٍ، ولقد أخطأت. وشجرة “الأكاسيا” لا تظلل أمثالك. لن تنفعك هذه التغريدة ولا كل ما ستقوله بعدها. عليك أن تعتذر من جبيل، مسيحييها قبل شيعتها.

شاهد أيضاً

السلطة الحاكمة في صنعاء بنظر العالم انها سلطة انقلابية غير معترف بها دوليا

الحقيقه لاغير حميد عبد القادر عنتر لكنها في نظر الشعب اليمني سلطة حاكمة فرضت امر …