إبراهيم رسول
في الأدبِ تبدو الأشياء غير ما تبدو عليه في باقي شؤون الحياة, إذ يشترطُ في الأدب القيمة الجمالية إضافة إلى الشكلِ واللون, فالجمالُ ميزةُ الأدب, الذي يبقى مستقرًّا في الذاكرة الإنسانيّة طويلًا, وهذا الاستقرارُ يجعلُ التجددَ في الأعمالِ على نحوٍ مُستمرٍّ, لهذا لمْ يُخلّدْ الأدب إلّا الجمال, الذي تأثرَ به الناس وصاروا يُعيدون قراءتهُ في كُلِّ حين, فالقيمةُ الإنسانيّةُ في الأدبِ, أنَّه يُعبّرُ عن كلِّ قضايا الحياة بجمال, فنحنُ نتلقّى المأساة والألم بوصفه صورة جماليّة, لا بوصفه حالة فقط, لهذا فالذوقُ العامُ صارَ يميلُ للأدبِ المبدع, لأنَّه ابتكارٌ لا نقلٌ.

سأتناولُ موضوعةُ الفقد بوصفه موضوعة جمالية في رواية ( ذنبي لستُ مذنبًا) للكاتبة نور الهدى محمد, الصادرةُ عن دار جيم بطبعتها الأولى في سنة 2025, الفقدُ هو حالةٌ سلبيةٌ في الحياةِ, مؤلمةٌ موجعةٌ, الأدبُ تعبّيرٌ عن الحياة لكن ليس نقلها بصورتها الحسّية المُباشرة, إنَّه فنٌّ صعبٌ, وهو يستدعي مهارة ودربة وتجربة غنّية, فأنتَ قدْ تكون لديك العديد من القصص الصالحة في أنْ تكون رواية لكن التعبّيرَ عنها يحتاجُ منها إتقان مهارة الكتابة, لأنَّ قيمة الأدب في القدرةِ, أيْ القدرة على التعبّير عما تتخيلهُ وتعيشهُ أو يعيش فيكَ, هو شيءٌ نستشعرهُ لدرجة نكاد أنْ نلمسَهُ, وهنا براعة التصوير والتخييل هي التي تجعلنا نصل إلى هذه النشوة الجميلة, عُولجت قضايا الإنسان كلّها عبر الأدب معالجة إما نفسيّة أو فلسفيّة أو اجتماعيّة, أي معالجة إنسانيّة, وفي هذه الرواية يتجلّى الفقد عبر معالجته نفسيًّا, إذْ الهاجس الداخلي للكاتبةِ يتضحُ من أوّلِ عتبة وهي العنوان, الذي هو تعبّيرٌ نفسيٌّ مؤلمٌ, جلدٌ للذاتِ في صورة من صورهِ, ومعناهُ لا يقفُ عن صورة تأويلية واحدة, بلْ تتعدد بتعدد ثقافة المتلقي, وهي تضع جملة ( مُستوحاة من قصة حقيقة), قدْ تبدو الجملة هذه, قاتلة للروايةِ, كون القارئ سيسأل ماذا تُريد من النقل الحياتيّ ؟ إلّا أنَّ السؤالَ يُجاب عنهُ بقناعةٍ تامّةٍ, في بداية الفصل الأوّلِ.
ذنبي لستُ مذنبًا, تحملُ في طيّاتها أزمة نفسيّة حادة, تعيشها الشخصيّة, هذه الأزمةُ الحادةُ, لها مُقدمات وأسباب كثيرة, فأنْ يجلد الإنسانُ السويّ نفسه بأنْ يحتاجَ أنْ يكونَ مُذنبًا كما الآخرين! هو إشارة إلى خيبةِ أمل, وهذه الخيبة هي الرسوبُ المتكررُ أو عدم النجاح من مرحلة السادس الإعدادي, الذي يُمثّلُ مرحلة مفصلية في مستقبلِ الفرد العراقيّ, وهذه المرحلة هي مرحلةٌ نفسيةٌ بامتياز, تحتاجُ إلى بيئةٍ آمنةٍ واثقةٍ مطمئنةٍ, لكيْ يحققَ الإنسان ما يطمح له من دونِ أنْ يعيشَ قلقَ الوصول, الكاتبةُ تنطلقُ من هذا المنطلق النفسيّ وتعالج قضية مركزية شائعة في مرحلة عمرية خطيرة لأنَّها مفصليةٌ ويترتبُ عليها ما يكون بعدها, لهذا نقرأُ أزمة هذه الشخصية التي تفشل في عبور هذه المرحلة وهي مرحلة البكلوريا النهائية, التي يدخل بعدها إلى الجامعة, هذا الرسوب ُ المُتكررُ ولّدَ شعور الخيبة, ومن ثمّةَ تحوّلتِ الخيبة إلى أزمة نفسيّة مزمنة, وهذه الأزمة جعلت من الإنسانِ يحتقر الدنيا بما فيها ويقرر معاقبة نفسه, فخيارُ الذهاب إلى السلكِ العسكريّ عند الشخصية لمْ يكنْ إلّا هروبًا من الأزمة المؤلمة, وهو هروبٌ يعكسُ بيئة غير مستقرة, بيئة غير واعية, لا تحتوي الأمان والطمأنينة لأفرداها, فالمجالُ والمحيطُ كما يقول علماء الاجتماع قدْ ساهما في خلقِ شخصية مضطربة مهزومة من الداخل, لا تستطيع المواجهة ولا تملك قدرة الاعتراف بالفشلِ الذي هو بداية ُ كلّ نجاح آخر, فصارَت الشخصية تُعاقب ُ ذاتها بذاتها وهنا نشأت الأزمة النفسيّة التي تحولت من الحادة إلى المزمنة!
تقول الكاتبة: الإنسانُ لا يحتاجُ أيامًا كثيرة ولا أوقات طويلة ليتغير, ليلة واحدة كفيلة لتصنع منه طينًا آخر. فهنا إشارة رائعة حينَ قرنت صنعة التغيير بأنَّها عودةٌ إلى البدايةِ الأولى, إلى أصل الخلقة, وهي الطينُ, هنا هي عودةٌ إلى النقاء الأوّل, فلا بّدَّ أنْ تزيل عنك الأدران التي لوّثتك لتستطيع أنْ تتغير, والتغيير هنا يمثّل الجانب الإيجابيّ في التطور, لأنَّه خلاصٌ من أزمةٍ نفسيةٍ كبيرةٍ, حسنًا فعلت الكاتبة, حينَ وضعت الفقد كثيمة رئيسة, الفقدُ النفسيُ, أنْ يفقدَ الإنسان ذاتهُ ويبقى يعيش أزمة في حياته, هذه الأزمة تتراكم لتوّلد عقد نفسيّة كثيرة, المذكرةُ النهائيةُ التي انتهت الرواية بها, تكشفُ بصورة مهولة الأثر المعنويّ السلبي الذي خلّفه الفقد, لدرجة أنْ يصلَ إلى النهايةِ المؤلمة التراجيدية, فالحياةُ عبثٌ مؤلمٌ وعذابٌ, لمْ يتخلصْ الإنسان منه إلّا حينَ فقدها بإرادته, فالروايةُ مُقسّمةٌ قسمينِ, الفصل الأول الذي ضم أجزاءً بلغت خمسة وعشرين جزءًا, بدأت بتاريخ (1/4/2014) والفصل الثاني الذي ضمَ أربعة أجزاءً, بدأت بتاريخ ( 1/1/ 2015), هذا التاريخ المعلوم المعروف, لهُ علاقة بتاريخ الذروة القصوى للحالة النفسيّة, تُريد الكاتبةُ أنْ تبقى هذه القصة عالقة في عقل المُتلقي, هذا الإصرارُ على إيصالِ هذه القصة, يرجعُ إلى أنَّها قدْ تصلح لكلِّ قارئٍ, الجميعُ تمسّهُ الرواية, كونها مكتوبة للألمِ النفسيّ الذي يتعرض لها كلّ إنسان, يعيشُ في بيئة غير واعية مدركة لخطر الضغط والكبت.
ثمّة قراءةٌ تتناولُ الرواية بمعزل عن طريقة كتابتها, سيبقى هذا النوع من القراءة غير كامل, لأنَّ المنهج النقديّ يستدعي, أنْ تعنى بالتقنية التي أنتجت النّصّ بهذه الصورة النهائية التي خلصت إليها المبدعة, فالإشاراتُ تدلُ على تجربة كامنة, وهذه التجربة مُلمة بأدواتها من حيث بنية الرواية, فالوصفُ وتصاعد الأحداث وصولًا إلى العقد ومن ثمّة النهاية التدريجية, تدلُ على نمط كتابي يُمارسه الأعم الغالب من الكُتاب, فهو إلمامٌ بالقالب البنائيّ المعروف والشائع, ولكن طريقة التناولُ تختلف, وهنا تبدو الأديبة نور الهدى محمد, تحاولُ أنْ تصنع لنفسها طريقة تنفردُ بها, من خلالِ العلامات التي وضعتها بصورة رئيسية في الرواية بدءًا من العنوان وإشاراته إلى كلمة الغلافِ وبعدها إلى المقدمة ومنها إلى الفصلين ونهاية بالمذكرة الأخيرة التي تنتهي فيما بدأت به الرواية, فالفقدُ حالةٌ سلبيةٌ كيفَ يُعبّر عنه جماليًّا ؟ هذا السؤالُ يكشف الموهبة الإبداعية للمبدعة, ويمنحها هُويّة الكتابة, لأنَّ نسخ وتكرار الموضوع بذات التعبّير وذات اللغة سيجعله موضوعًا ليسَ أدبيًا, الرواية ليست علم اجتماعٍ ولا علم نفسٍ ولا علم فلسفةٍ, بلْ هي شيءٌ منهم جميعًا, هي ميدانٌ خاصٌ, يتواجدُ فيه العديد من الخبرات الإنسانيّة, لتكوّن العالم المتكامل للروايةِ, فالتدوينُ والنقلُ عبر ميادين العلوم الانسانية لوحده غير كافٍ, لهذا نجحت الرواية هذه, لأنَّها أخذت من المعرفة بتلك العلوم, وعبّرت أدبيًّا عمّا تُريد التعبّير عنه, فهذه الرواية هي رواية أدب لا رواية علم نفس, وهي روايةٌ أخذت من موضوعة الفقد بوصفه ثيمة رئيسة لكنَّها وظفتهُ جماليًّا, وتحدثت عنه بوصفه أزمة حادة تُغيّر الإنسان من حالٍ إلى حال, وهذه التحوّل يكونُ سلبًا أو إيجابًا تبعًا للنهاية التي تريدها الكاتبة, نهاية هذه الرواية كانت تراجيدية, معلومة التاريخ ومدوّنة , كأنَّ الشخصيةَ التي انتحرت تُريد أنْ تبقيَ لنا إشارة إلى علّتها الوجودية والنفسيّة التي ذهبت ضحيتها, هنا لا ينبغي أنْ تنتهي القراءة بحزن على هذه الشخصية التي فارقتنا وتأثرنا بها, بقدر ما نحاولُ أنْ نعالج السبب لتغير النتيجة, أنْ تزيلَ الحالة المرضية هو محاولةٌ جادةٌ في بناء إنسان سوي, إنسان خالٍ من أشد الأمراض خطورة, وهي الأمراضُ التي تقتل الذات.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
