“فلسفة على حافة البقاء”


الدكتور فواز فرحات
رئيس تيار الفكر الشعبي

في وسط البحر الهائج، وعلى جزيرة مقطوعة أقرب إلى أطلال عابرة في محيط الوجود، وقف نيتشه، وهيغل، وشوبنهاور، وراسل، يشحذون عقولهم لمواجهة مصير يفرض عليهم أقسى أنواع التأمل.
‎هيغل (متطلعاً إلى الأفق): “هنا، في هذا المكان المقطوع عن العالم، تتجلى الديالكتيك بأوضح صورها؛ حيث يتصارع العقل مع الطبيعة، وينبثق عن هذا الصراع وعي جديد بالوجود.”
‎نيتشه (بابتسامة ساخرة): “أنت يا هيغل تتحدث عن الديالكتيك، وأنا أرى في هذه العاصفة إعلاناً عن إرادة القوة التي لا تعرف سوى التمرد على كل مألوف. هنا، على حافة البقاء، يتجلى الإنسان في قوته الأصيلة.”
‎شوبنهاور (بصوت عميق يشبه هدير البحر): “يا نيتشه، إن هذه القوة التي تتحدث عنها ليست سوى معاناة متخفية. الطبيعة قاسية، وما هذه العزلة إلا نداء للعودة إلى رحم الإرادة الكونية التي تضعنا في اختبار دائم.”
‎راسل (بهدوء يتأمل رمال الجزيرة): “أيها السادة، نحن الآن في حالة من الوجود الصرف. لا فلسفات كبرى ولا نظريات معقدة. نحن أمام الطبيعة في أبسط صورها، وهنا نتعلم أن الحقيقة تكمن في بساطة العيش والبحث عن النجاة.”
‎نيتشه (رافعاً حاجبيه): “النجاة يا راسل هي للأقوياء، للأرواح التي لا تخضع لسلطة إلا سلطتها. هذه الجزيرة قد تكون حتفنا، لكنها أيضاً امتحان لإرادتنا في أن نخلق معناً من هذا العبث.”
‎هيغل (مقاطعاً): “المعنى ينبثق من التناقض، من صراع الأرواح مع الطبيعة. ربما نصل إلى تسوية مع هذه الجزيرة كما تتصالح الروح مع المطلق.”
‎شوبنهاور (متمتماً): “إن الحياة ليست سوى سلسلة من المعاناة، وهذه العزلة ما هي إلا انعكاس لجوهر الوجود. علينا أن نقبل هذا القدر بصمت الحكيم.”
‎راسل (بابتسامة خفيفة): “وفي النهاية، الحياة هي ما نصنعه منها، حتى في هذه الجزيرة النائية. فلنبحث عن وسيلة للنجاة، ولنترك الفلسفة جانباً للحظة، لأن البقاء نفسه قد يكون الفلسفة الأعظم.”
‎صمت الأربعة للحظة، ينظرون إلى البحر الذي هدأ قليلاً، كأن الطبيعة أيضاً تُنصت لفلاسفتها. وفي تلك اللحظة،‎بينما كان السكون يلف المكان، رفع هيغل رأسه ونظر إلى السماء التي بدأت تكتسي بألوان المغيب.
‎قال هيغل: “ربما في هذا الصمت، لن نجد سوى ذلك التناغم الخفي الذي يجمع كل نقيضين. ها نحن هنا، بين قسوة الطبيعة وجمالها، نتعلم أن الحياة والموت ليسا سوى وجهين لعملة واحدة.”
‎رد نيتشه، وهو ينظر إلى أفق البحر المترامي: “نعم، ولعل في هذه العزلة القسرية درساً عميقاً عن الإرادة. نحن من نخلق المعنى من هذا الفراغ، وسنظل نقاوم حتى نجد طريق العودة أو نموت واقفين.”
‎أما شوبنهاور، فقد أدار وجهه نحو البحر المتلاطم، وقال بصوت هادئ كأنما يخاطب نفسه: “وما هذا كله إلا انعكاس لرغبة الإرادة في الوجود، تلك الرغبة التي لا تعرف الشبع. إن معاناتنا هنا هي جزء من النسيج الخفي للوجود.”
‎أخيراً، كان راسل هو من ختم هذا الحوار، وهو يخط بيده على الرمل خريطة بسيطة للجزيرة: “أيها الأصدقاء، ربما الفلسفة لن تنقذنا الآن، لكننا تعلمنا منها أن نبحث عن الحلول بأبسط الأدوات. دعونا نبدأ بالبحث عن طريقة للبقاء، فربما تكون النجاة هي الفلسفة الأعظم التي سنخطها بأنفسنا.”
‎وهكذا، بين أمواج البحر وصمت الجزيرة، لم تكن الكلمات سوى انعكاس للفلسفات التي عاشها هؤلاء العظماء، لكنها أيضاً كانت نقطة تحول، حيث امتزجت الحكمة بالواقع، وأدركوا جميعاً أن الفلسفة الحقيقية هي تلك التي تضيء الطريق حتى في أحلك الظروف.
‎انتهى الحوار، لكن الرحلة استمرت، تماماً كما تستمر الحياة، بأنفاسها المتقطعة، وبحثها الدؤوب عن المعنى في كل لحظة من لحظات الوجود.

.

شاهد أيضاً

مع انتشار الآفات والسموم: لا تؤجل فحص القولون..

أسماء الجرادي عاماً بعد عام تتغير أوجاع الناس، وفي ظل تحديات هذا العالم الثقيلة، توسع …