راوية المصري
في بلدٍ تقلب فيه الوجوه، وتتبدّل فيه الولاءات، وتتشوّه فيه الحقيقة على لسان الساسة، تبقى البدلة العسكرية هي الثوب الوحيد الذي لم يخلعه الشرف، ولم تُبدّله المصالح.
الجيش لا يرفع شعارات، ولا يشارك في بازار الشعبويات. لا يدخل في الحملات الانتخابية، ولا يبيع الأوهام. هو الصامت الذي يتكلم عند الخطر، وهو الساتر الأخير حين تنهار الجدران.
كل عام ، تتساقط أوراق، وتذوب شعارات… إلا راية الجيش تبقى مرفوعة، ليس لأنها لا تُلامس الأرض، بل لأن على أكتاف من يحملها، عَرقَ أُمّ، وصلاةَ وطن، ودمعةَ شهيد.
في عيد الجيش، لا نُطالب… بل نعتذر.
نعتذر من جيش نحمله في قلوبنا، بينما تُثقل كاهله دولة متروكة.
نعتذر لأننا نبكي عند كل استشهاد، ثم نعود إلى انقساماتنا.
نعتذر لأن رواتب الجنود تُنفق قبل أن تُصرف، فيما اللصوص يفرشون الملايين تحت أقدامهم.
الجيش ليس حائط مبكى، بل حائط صد.
هو المؤسسة الوحيدة التي لم تُهزَم، لأنها لم تخن. لم تتواطأ، لم تساوم، لم تضعف… حتى وهي تنهكها المعارك اليومية: على الحدود، وفي الداخل، وفي ضمائر الناس.
لا يهمّه إن جاع، أو سُرق، أو نُسي.
المهم ألا تُكسر هيبة لبنان، ولا تُهان كرامة شعبه.
في عيد الجيش، نقف إجلالًا لِمن وقف، وسار، وحمى، دون أن يطلب شيئًا سوى شرف الواجب.
لكل جندي، لكل ضابط، لكل شهيد، لكل أمّ لفّت جسد ابنها بالعلم اللبناني بدلًا من كفنه… أنتم الباقون في ذاكرة الوطن، حين ينسى كل شيء.
في عيد الجيش، نقولها بصدق:
أنتم ما تبقّى من الجمهورية
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
