خيار الكتلة الحضارية الوازنة

د. محمد السعيد إدريس

تكشف الدراسات العملية التى اهتمت بتحليل الأنماط التفاعلية للنظام الإقليمى للشرق الأوسط عن أربع مراحل تاريخية مميزة لتفاعلات القوى الإقليمية الكبرى الأربع التى شكلت، ما يمكن تسميته «قلب النظام» أى القوى التى تقود التفاعلات وتتحمل المسئوليات فى إدارة القضايا الأساسية للنظام، مصر وإيران وتركيا وإسرائيل: المرحلة الأولى التى تلت الحرب العالمية الثانية، وفرض كيان الاحتلال الإسرائيلى فى قلب الوطن العربى عام 1947، وما تلا ذلك من حرب عربية ـ إسرائيلية عام 1948 وهزيمة العرب فى هذه الحرب. أما المرحلة الثانية فهى المرحلة التى تلت تفجر ثورة 23 يوليو 1952 فى مصر بزعامة الرئيس جمال عبدالناصر، الذى قاد بمصر حركة تحرر عربية لتحرير الدول العربية المحتلة وحركة تحرر عالمية للقضاء على الاستعمار، والسعى لتحقيق الوحدة العربية، والعمل من أجل تحرير فلسطين ضمن صراع تاريخى مع كيان الاحتلال الإسرائيلى لعبت فيه قضية فلسطين دور المحدد المركزى فى تفاعلاته. أما المرحلة الثالثة فهى المرحلة التى تلت نكسة عام 1967 وبداية انحسار الدور المصرى العربى والإقليمى والعالمى، واكتملت بوفاة الزعيم جمال عبدالناصر فى 28 سبتمبر عام 1970، وتولى الرئيس الراحل أنور السادات المسئولية.

 

أما المرحلة الرابعة فقد بدأت بحدثين جللين، أولهما سقوط نظام شاه إيران محمد رضا بهلوى وتأسيس الجمهورية الإسلامية فى إيران فى أبريل 1979، وثانيهما توقيع مصر معاهدة السلام مع إسرائيل (كامب ديفيد) وخروج مصر من دائرة الصراع العربى الإسرائيلى. فى المرحلة الأولى كانت علاقة مصر بإيران فى الأغلب علاقات تعاونية، وكانت علاقات مصر بتركيا أقرب إلى هذا النمط التعاونى، حيث كان التشابه والانسجام فى طبيعة النظم الحاكمة وأيديولوجياتها السياسية، وكذلك العلاقة مع القوة العالمية الكبرى أو الحليف الدولي. كانت بريطانيا هى الحليف الدولى لمصر ولإيران، وكانت الولايات المتحدة هى حليف تركيا، وكانت القوى الثلاث: مصر وإيران وتركيا قريبة من المعسكر الغربى على حساب الاتحاد السوفيتى، ومن ثم كانت علاقات القوى الثلاث بإسرائيل علاقات تعاونية وكانت علاقاتها الثنائية المتبادلة تدور بين التعاون والتنافس.أما فى المرحلة الثانية أصبحت مصر بعد قيام ثورتها عام 1952 هى القوة العربية التى تتزعم دعوة الوحدة والتحرر العربى والصراع ضد إسرائيل من أجل حقوق الشعب الفلسطينى، وتناضل ضد الاستعمار، وتعتبر أن هزيمته فى أى بقعة من العالم انتصار للثورة العربية على نحو ما أكد جمال عبدالناصر أمام مؤتمر باندونج (سبتمبر 1955) الإفريقى – الآسيوى الذى أسس فيما بعد حركة عدم الانحياز. فى ذلك الوقت كانت إيران (الشاهنشاهية) وتركيا شريكتين فى المعسكر الغربى، حيث أصبحت تركيا عضوا فى حلف شمال الأطلسى وعضوا مؤسسا مع إيران فى «حلف بغداد» مع كل من باكستان وبريطانيا، ومن ثم كان الانحياز الإيرانى والتركى لإسرائيل، ومن هنا كانت العلاقات صراعية بين مصر وكل من إيران وتركيا، وكانت علاقات مصر صراعية بالمطلق ضد كيان الاحتلال الإسرائيلى، ما يعنى أن مصر كانت تقف، فى هذه المرحلة، فى مواجهة القوى الإقليمية الثلاث: تركيا وإيران وإسرائيل.

فى المرحلة الثالثة التى تلت نكسة عام 1967 ووفاة الزعيم جمال عبدالناصر، ودخول الشاه كطرفا داعما للتقارب المصرى الإسرائيلى، وللتحولات فى علاقة مصر بالولايات المتحدة، أصبحت علاقات مصر تعاونية مع إيران، وأيضا مع تركيا، وكانت فيها بدايات التقارب الرسمى المصرى ـ الإسرائيلى، وكانت أيضاً علاقات إيران وتركيا تعاونية مع كيان الاحتلال الإسرائيلى، ومن ثم يمكن القول إن هذه المرحلة شهدت عصر الاختراق الإسرائيلى للنظام الشرق أوسطي. فى المرحلة الرابعة حدثت التحولات الكبرى خاصة بعد سقوط نظام الشاه حليف الغرب وصديق إسرائيل عام 1979 وعقب توقيع مصر معاهدة كامب ديفيد. أصبحت علاقة إيران صراعية مع إسرائيل وتنافسية مع مصر، ولم تحدث تغيرات ملحوظة فى علاقة إيران بتركيا حيث ظلت تتراوح ما بين التعاون والتنافس. وجاءت أحداث طوفان الأقصى فى أكتوبر 2023 وما تلاها لتقلب تفاعلات النظام الإقليمى رأساً على عقب خاصة بعد الانتكاسات التى أصابت محور المقاومة خاصة فى لبنان (حزب الله) وإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد فى سوريا، والتغول الإسرائيلى فى أرجاء الإقليم ثم العدوان الإسرائيلى الأمريكى على إيران، والمسعى الأمريكى الإسرائيلى لهندسة نظام إقليمى جديد فى الشرق الأوسط يفرض إسرائيل قوة مسيطرة أحادية على المنطقة، ومنع وجود جيوش قوية فى الدول المحيطة بها خاصة فى مصر وإيران وتركيا، وما يحدث فى سوريا يعد نموذجاً لما يخطط له فى باقى دول المنطقة خاصة الكبرى منها، التى تواجه خطر إعادة تقسيم ما سبق تقسيمه على أسس عرقية وأخرى طائفية ومذهبية وإنشاء دويلات صغيرة يكون فى مقدور إسرائيل السيطرة عليها وقيادتها . هذه المخاطر باتت تفرض التأسيس لكيان تكاملى إقليمى: عربى إيرانى تركى، يكون فى مقدوره التصدى للمشروع الإسرائيلى الأمريكى من ناحية، والتأسيس من ناحية ثانية لكتلة حضارية عربية – إسلامية يكون فى مقدورها إعادة إحياء مشروع الحضارة العربية ـ الإسلامية، وفرض هذه الكتلة ككتلة وازنة بين كتلتين حضاريتين عالميتين متنافستين: الكتلة الحضارية الغربية والكتلة الحضارية الآسيوية (الصينية ـ الهندية). فالكتلة الحضارية الإسلامية يمكن أن تكون الكتلة التاريخية القادرة على تحقيق التوازن مع الكتلتين الأخريين، وترجيح نموذج التفاعل والحوار الحضارى بدلا من نموذج صراعات الحضارات الذى يخوضه الغرب ضد الحضارات الأخرى وعلى الأخص الحضارة العربية ـ الإسلامية .

شاهد أيضاً

زلزال اليمن في قلب الاحتلال صواريخ الصبر والعزم تهدم الهيبة الزائفة

#عفاف_فيصل_صالح يافا المحتلة ها هي الصواريخ اليمنية تقتحم السماء كالسيوف المضيئة، تهز أركان الكيان الصهيوني، …