د. طنوس شلهوب
السيّد مشى إلى استشهاده كما يُشعل أحدنا شمعة في آخر الليل. هو كان يعرف ان فرص اغتياله في الضاحية هي اعلى بكثير من أي مكان أخر، ومع ذلك أصّر على البقاء في قلب النار. لم يكن الموت عنده نقيضًا للحياة، بل ذروتها. لحظة الكشف الكامل. ذهب وفي قلبه يقين لا يتزحزح: أن الدم ليس النهاية، بل اللغة الأخيرة حين تسكت الكلمات. لم يذهب ليموت، بل ليحيا فينا على هيئة كرامة لا تُقهر، على هيئة وعد لا يُنكث، على هيئة حلمٍ مزين بزيتون الجليل وبرتقال يافا ومآذن القدس المتعانقة مع أجراس بيت لحم.
وزياد…ذلك المبدع العبقري الذي جعل من النوتة خندقًا، ومن الأغنية سلاحًا، ومن الموقف خبزًا يوميًا للكرامة. زياد اليوم لا يريد أن يعيش في عالمٍ يُقاس فيه الموت بالأرقام، وتُبَث فيه مشاهد المجازر بلا أن ترتجف ضمائر، عالمٍ يرى فيه جثث الأطفال في غزة ويبقى متفرجاً مخصي حتى عن الصراخ. زياد، الذي قال يومًا: “أنا مش سياسي، بس عندي رأي. وإذا سَكَت… بموت”. ها هو الآن يسكت فعلًا، لا لأنّه خان، بل لأنّ هذا الصمت موته المختار. اختار أن يحتج على الإبادة التي يرتكبها الصهاينة بحق الشعب الفلسطيني، لا بمنشور، ولا بخطاب…بل بفعل رحيل، بانتحار وجدانيّ يشبه صرخة أخيرة في وجه عالم فقد إنسانيته.
في لحظة من التعب، من مسرحيته “بالنسبة لبكرا شو؟”، صرخ زكريا ـ وهو صدى زياد نفسه ـ قائلاً:
“بيسألوك شو عملت، ما بيسألوك لشو صرت هيك.
بيحسبوا شو كسرت، ما بيسألوك شو انكسر فيك.”
هذا الانكسار هو ما أصاب زياد اليوم. غزة تنكسر في صوته. وصوته لا يريد أن يواصل الغناء فوق الركام.
“أنا مش كافر… بس الجوع كافر، “… لم تكن أغنية فقط، بل بيان احتجاج مبكّر على زمن سنراه يتكرّر. فلسطين بالنسبة لزياد ليست خبراً في نشرة، بل القلب نفسه يُقصف ويُحاصر ويُحرق. كل طفل يُقتل هناك، يموت معه وتر. كل أم تُنادي ولا يُلبّى نداءها، تنكسر فيها جملة موسيقية. ولأنّه لا يحتمل هذا الانكسار، قرّر أن ينسحب. لا موت عابرًا… بل موت احتجاج. لا انطفاءً… بل اشتعالًا صامتًا.
السيّد حمل سلاحه، قاتل، صنع الانتصارات في زمن الخذلان والجبن والخيانة، ومشى نحو المجد. وزياد حمل موسيقاه ومشى نحو الغضب. كلاهما عرف أنّ من لا يملك القدرة على التراجع عن ضميره، لا يملك إلّا أن يموت واقفًا. ها هو الفنان قرر أن يمضي، أنّ يترك قلبه يخونه، لأنّه لم يعُد قادرًا على العيش في زمن تُباد فيه فلسطين وعداد الشهداء يتسارع بقنابل فاقت قوتها ما ألقي على هيروشيما.
في زمن تتواطأ فيه ما يُفترض أنه الحضارة مع الوحشية، قرر زياد اغلاق الباب خلفه لأنّه انتمى بصدق ونقاء الى الناس، وفنان الشعب لا يقدر على التواطؤ، وفي موته، يصبح أوضح، أبلغ، أصدق.
فنان الشعب لا يموت، وهو يحتجّ بالموت على جرائم التوحش الصهيوني المدعوم غربياً بتواطؤ أنظمة التطبيع والخيانة.
زياد قرر الذهاب الى الموت مثل السيد، وارتحالهما هو صرخة احتجاج صادرة من أعماق الوجدان في تكثيف لقناعة أن فلسطين هي أمّ المعنى.
زياد مثل السيد لم يغادر… بل ارتفع.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
