إيمان مصطفى
“فدا إجر المقــاومة”.. هي جملة ما تزال تتردد في آذاننا منذ 19 عامًا.. يوم وقفت الحاجة “كاملة سمحات” المرأة السبعينية الآتية من بلدة عيناثا الحدودية على أنقاض منزلها المدمر في قلب الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، في ذروة عد وان تموز في العام 2006.. يوم خلت الضاحية مِن قاطنيها. ومسيّرات الـ.ـعـ.ـدو تخرق الأجواء. ردّدت الحاجة “سمحات” كلماتها التي ستُذكَر طويلًا: “مش هيدا بيتي راح؟ ولِك فدا إجر المقــاومة، وبيتي بالضيعة راح فدا إجر المقــاومة”، معرّفةً نفسها أنها ابنة الشريط الحدودي.
في الوقت الذي تهاوت فيه الهمم في أحضان المتآمرين، وكُشف اللثام عن وجوه الشامتين، وقفت امرأة جنوبية من أرض عاملة لتقول: “فدا إجر المقــاومة”.. جملة حملت في طياتها كثيرًا من الصبر والتضحية واليقين بالنصـ.ــر.
تحت هدير الطا ئرات وأمام الدخان المتصاعد من ركام بيتها، وفقت لتنطق بهذه الكلمات. مقولة رمزية أسست لوعي مستمر، وأفشلت محاولات الـ.ـعـ.ـدو للضغط على بيئة المقــاومة، وجعلت التضحية بالمال والأرزاق، حتى الأرواح، مدعاة للفخر والشرف.
الشريط التسجيلي الذي تعقّب جولتها وحيدة في الضاحية المدمرّة ذات يوم من شهر تموز، عزّز مدى صدق ووفاء أفراد هذه البيئة، واستعدادهم للتضحية ببيوتهم وأموالهم وبأنفسهم وأولادهم في سبيل النهج المقــاوم. الحاجة “كاملة سمحات” اختصرت بكلماتها “فدا إجر المقــاومة” لسان الناس، عن حبّهم واحتضانهم للمقــاومة. وأظهرت وفاءً لم يُشهد له مثيل قط. وفاء بيئة المقــاومة وصمود أفرادها، منذ بداية انطلاقة العمل المقــاوم، وصولًا إلى حرب إسناد غـ.ـزة و”معركة أولي البأس”.
ثمة أمور لا يمكن شرحها بأي كلمات. لم تكن المقــاومة يومًا وحدها هي التي تعرف أن ناسها الذين لم يتركوا الأرض ومنعوا الـ.ـعـ.ـدو من الاحتـ.ـلال، هم أنفسهم من يظهرون استعدادًا لبذل المزيد من أجل تحقيق الانتصار.
الحاجة “سمحات” أظهرت دور المرأة التي حمت نواة المجتمع المقــاوم.، وحضنت العائلة وغذتها على حب لمقــاومة والاسـ.ـتشهـ.ـاد في سبيل الله. ووزعت في النفوس العنفوان والإرادة وعدم الرضوخ لإرادة المحتـ.ـل.
من بين ركام الضاحية، بنت الحاجة “سمحات” معادلة مخلدة باخلاصها، أحبطت كل ما كان يسعى له “الإسرائيلي”، من التدمير الهمجي لتقليب الناس على خيار المقــاومة.. فكان جواب البيئة الحاضنة أن: “كل هذا الدمار فدا إجر المقــاومة”.
امرأة وقفت ذات يوم من تموز أعطت دروسًا استثنائية، لا تحاكي حرب تموز فقط، فقد كان أهم عوامل الانتصار في كل مسيرة المقــاومة هو شعب المقــاومة الوفي الصامد الأبي.
بطريقتها الخاصة، تحولت السـ.ـيـ.ـدة “سمحات” إلى أيقونة للنصـ.ــر، وعبارتها إلى شعار يردّده كل المناصرين لخط المقــاومة قولًا وفعلًا.
الحاجة “سمحات” توفيت، ولكنها لن تغيب من ذاكرة تموز، ومن ذاكرتنا، بل من ذاكرة لبنان وانتصاراته. لا يموت الشــ.ـهداء في نهجنا، كما أن كلماتهم لا تموت، تمامًا كالحاجة “سمحات”. بات كل الجنوبيين والبقاعيين “كاملة سمحات”.. الجنوب كله يصدح بكلماتها.. البيوت والأرزاق كلها: “فدا إجر المقــاومة”../ العهد نيوز
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
