بقلم ريما فارس
في مدينةٍ أنهكتها الحروب وابتلعت شوارعها الصمت والضجيج معًا، كان هناك صوتٌ يضحك من وجعها ويبكي من عبثها. على مقاهي بيروت القديمة، بين دخان السجائر ورائحة القهوة الثقيلة، وُلدت كلمات تسخر من الزعماء، وتعاتب الناس، وتفضح خيبات وطنٍ اعتاد أن ينهض ليقع من جديد. هناك، على خشبة صغيرة، كان شابٌ نحيل يجلس خلف البيانو، يراقب الجمهور بعينين ساخرتين، وكأنهما تعرفان أكثر مما نعرف عن الغد الذي ينتظرنا.
ذلك الشاب هو زياد الرحباني، الابن الذي وُلد من رحم الموسيقى والفن، ابن فيروز وعاصي الرحباني، حمل منذ طفولته إرثًا ثقيلًا من المجد والموهبة. لكنه لم يكتفِ بأن يكون ظلًا لاسمٍ كبير، بل صنع لنفسه مجدًا آخر بطريقته الخاصة، حتى صار اسمًا محفورًا في ذاكرة المسرح والموسيقى والفكر اللبناني. زياد كان حالة استثنائية، ليس فقط في إبداعه الفني، بل في نظرته إلى الواقع والحياة، إلى السياسة والمجتمع، وفي جرأته على قول ما لا يجرؤ كثيرون على قوله.
في بيروت السبعينيات والثمانينيات، كان الشاب زياد يكتب مسرحياته كأنه يكتب تاريخ الغد. “فيلم أميركي طويل”، “بالنسبة لبكرا شو”، “فريد وماري روز” وغيرها من الأعمال لم تكن مجرد مسرحيات ساخرة تُضحك الجمهور، بل كانت مرايا تكشف وجوه الناس والسياسيين والمجتمع كما هي، وتلمّح إلى أزمات ستأتي، حتى صارت تنبؤاته في الفن حديث الناس بعد عقود. من هنا، وُصف زياد بـ”النبي”، ليس بمعناه الديني، بل بمعنى الفنان الذي يرى أبعد مما نرى، ويكتب ما سيعيشه الناس قبل أن يحدث، وكأن أعماله رسائل من المستقبل.
لكن في المقابل، كان هناك من يرى فيه شخصًا صادمًا، خارجًا عن المعايير التقليدية، علمانيًا بامتياز، يرفض الأقنعة الاجتماعية والتصنع الديني، حتى وُصم بـ”الكافر” بين أوساط محافظة، ليس لأنه أنكر الإيمان، بل لأنه كان يرفض استغلاله في السياسة والمجتمع. عاش زياد حياته بين هذين اللقبين المتناقضين: “النبي” الذي يقرأ القادم، و”الكافر” الذي لا يهادن في نقده.
زياد لم يكن مجرد كاتب مسرحي، بل موسيقيٌّ استثنائي، عازف بيانو عبقري، وملحن قدّم لونًا جديدًا للموسيقى العربية، مزيجًا بين الجاز والروح الشرقية، بين الشارع البيروتي والحنين الرحباني القديم. من يسمع ألحانه يشعر أنه يسمع وجع مدينة، وسخرية شاب، وحنين إنسان عاش الحرب وشهد على خيبات وطنه.
حياته كانت مرآة لفنه؛ عاش صادقًا مع نفسه، لا يجمّل كلماته ولا يراوغ في مشاعره. صدم البعض، وألهم آخرين، لكنه ظل وفيًّا لفنه ولأفكاره حتى آخر لحظاته. زياد الرحباني لم يكن مجرد ابن فيروز وعاصي، بل كان الصوت الذي واجه نفسه ومجتمعه بصدق، فترك لنا إرثًا يثبت أن الفن الحقيقي لا يموت، وأن كلمة صادقة واحدة قد تعيش أطول من صخب مدينة كاملة.
زياد الرحباني لم يكن مجرد صوت عابر في زمن مضطرب، بل كان صرخة فنانٍ لا يرضى بالتجميل ولا بالاستسلام. قال مرة:
“لو كانت كل الكذبات الحقيقة، لما بقيت الحقيقة شيئًا يقال.”
هذا الكلام لا يزال يتردد في أروقة الفن والحياة، يدفعنا لنقف أمام مرآة أنفسنا ونسأل: هل نحن حقًا نريد أن نعرف الحقيقة أم نفضل أن نغرق في أوهامنا؟
وفي زمن يختلط فيه الصدق بالكذب، والواقع بالتمثيل، يبقى سؤال زياد الرحباني مفتوحًا أمامنا:
هل نمتلك الجرأة لنواجه غدنا كما هو، أم نكتفي بالتنظير والهرب؟
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
