رسول حسين أبو السبح
في لحظةٍ تختزل كلّ معاني الإنسانية، اجتمع الفنّ بالمقاومة، والمسيحي بالمسلم، في قلب واحدٍ لا يعرف الانتماء الطائفي، بل يحتضن هموم الوطن ومعناه. زياد الرحباني، ابن السيدة فيروز ووريث عبقرية الرحابنة، لم يكن فنانًا عابرًا في الزمن اللبناني، بل كان صاحب موقفٍ، وصاحب نبضٍ كان يخفق كلّه للمقاومة.
رجل الموقف لا رجل التحيّز… لم يكن زياد يومًا ابن الصالونات الفنية الفارغة، ولا أسيرًا لمعسكرات الانقسام الطائفي في بلد أنهكته الحرب. منذ سنوات شبابه، وقف إلى جانب القضية الفلسطينية، واعتبر أن تل أبيب عدوٌ حتى في ألحانه. لم ينكفئ داخل قوقعته الثقافية، بل خرج إلى العلن ليجاهر بموقفه من المقاومة الإسلامية، وحزب الله تحديدًا، من دون أن يخشى تهديدًا أو خسارة جماهيرية.
يقول الصحفي اللبناني أحمد محيي الدين في كتابه “فن المقاومة، زياد الرحباني كما لم تعرفه” (ص87).
“كان زياد من أوائل من اعتبروا السيد حسن نصر الله ظاهرة تاريخية تتجاوز حدود الدين والمذهب، وكان يردد في مجالسه الخاصة: (لو كنت شيعيًا لما كنت أجرأ من الآن).”
الزيارة التي لم تُنسَ… ذات مساءٍ من العام 2006، بعد حرب تموز التي أرّخت لانتصار المقاومة على آلة العدو الإسرائيلي، حمل زياد قلبه وتوجه إلى بيت متواضع في الضاحية الجنوبية، حيث يسكن السيّد حسن نصر الله، الوليّ الذي أسر قلب زياد ليس بخطاباته فحسب، بل بتواضعه وإنسانيته، وبأنّه بقيَ يعيش بين الناس، في قلوبهم قبل منازلهم.
يُروى عن أحد المقرّبين من مجلس السيّد في تلك الأمسية، بحسب ما ورد في مقابلة أجراها الصحفي عماد مرمل في صحيفة الأخبار اللبنانية (عدد 1347، ص5، 2012).
“عند دخول السيّد إلى الغرفة، وقف زياد فورًا، كمن يرى قديسًا… قال بصوته الجهوري المتأثر: (اليوم جايي ضل عندك… بديش فل… بدي عيش معك، وإذا بدك يصير صلي وصوم مثلكن، خليني عندك). فردّ عليه السيّد مبتسمًا: (خليك مسيحي، نحن منعرفك ومواقفك معنا أكبر من أي طقس ديني…)”
كانت تلك اللحظة لحظة انصهار إنساني، لا طائفي، جسدت فيها المقاومة عمق انفتاحها، وأثبت زياد أنه رغم المسيحية التي ولد فيها، كان أقرب في الروح والعقيدة إلى من يواجهون الموت لأجل الحق.
عاشق السيد حتى الوداع… لم تكن علاقة زياد بالسيد نصر الله علاقة مناسبة سياسية أو لفتة إعلامية، بل علاقة وجدانية عميقة. في أكثر من حوار تلفزيوني، كحوار “قناة الميادين” عام 2014 (لقاء خاص، بث 9 آب 2014)، قال زياد بصراحة:
“لو بيطلبني السيد حسن اليوم، بفلّ من المسرح وبروح لعنده، لأنه الشخص الوحيد اللي بحس معه بالكرامة.”
وأضاف:
“هو ما بدو جمهور، بدو مقاومين، وأنا برأيي الفنان الحقيقي لازم يكون مقاوم مش مهرّج.”
موقفه من المقاومة ما بعد الفنّ… كان زياد الرحباني يرى أن كل ما يُقال عن “تحييد الفن عن السياسة” هو نفاق خالص. كان مقتنعًا أن لبنان لا يمكن أن يقف على قدميه دون مقاومة صلبة، ومثقفين عضويين. لم يكن انحيازه لحزب الله مبنيًا على عاطفة، بل على قراءة عقلانية لمسيرة حزب بدأ من بيوت الطين ليصنع انتصارات كونية.
في حوار مع صحيفة السفير (عدد 10245، بتاريخ 3 آب 2008، ص2)، قال زياد.
“المقاومة صارت أمل الناس الجديين، أما اليائسين من السيادة فهنّي جماعة البيانو المكسور.”
وفاة حملت وجع الوطن كلّه… حين أُعلن عن وفاة زياد الرحباني، نعتَه بيروت قبل أن تنعاه أمه. نعى السيد حسن نصر الله صديقه بصمت، كما يليق برجلين لا تربطهما البيانات، بل القلوب. نعاه حزب الله، ببيان صادر عن العلاقات الإعلامية في الحزب حول رحيل الفنان الكبير زياد الرحباني 26-7-2025
بيان صادر عن العلاقات الإعلامية، في حزب الله، حول رحيل الفنان الكبير زياد الرحباني، (26-7-2025)
“تتقدم العلاقات الإعلامية في حزب الله بأحر التعازي إلى عائلة الفنان الكبير الراحل زياد الرحباني وإلى جميع محبيه في لبنان والعالم العربي، برحيل هذه القامة الفنية الوطنية المقاومة بعد مسيرة حافلة بالعطاء والحب والإبداع.
لقد جسّد الراحل الكبير، من خلال فنه ومواقفه، نموذجًا للفن الهادف في خدمة الوطن والإنسان، ورسم من على مسرحه الصورة الحقيقة للوطن الذي يحلم به كل إنسان، وطن الوحدة والكرامة والعيش المشترك، فأضحى مصدر إلهام لكل الأحرار في الدفاع عن القضايا العادلة.
سيبقى زياد الرحباني بإرثه الذي خلّده منارة أملٍ للأجيال القادمة، تنهل من نبع فنه وفكره لتبني وطنًا حرًا مقاومًا.”
أخيرًا… ما جمع زياد الرحباني والسيد حسن نصر الله، لم يكن انتماءً دينيًا أو حزبيًا، بل انتماء إلى القضية الأم، إلى جراح الجنوب، ودماء الشهداء. لقد أحبّ زياد السيد كما لم يحبّ فنانٌ قائدًا من قبل، وابتسم السيد له لأنه عرف أن هذا القلب المسيحي لم يكن يحتاج أن يُغيّر دينه كي يصبح شهيدًا في محراب الكرامة.
رحل زياد، لكنه ظلّ في “ضيافة السيد”، كما أراد ذات يوم.
فيا زياد، نم قرير العين…
المصادر
1. أحمد محيي الدين، فن المقاومة: زياد الرحباني كما لم تعرفه، دار الساقي، بيروت، 2016، ص87.
2. صحيفة الأخبار اللبنانية، عدد 1347، مقال عماد مرمل، ص5، سنة 2012.
3. مقابلة قناة الميادين مع زياد الرحباني، بث 9 آب 2014.
4. صحيفة السفير، عدد 10245، 3 آب 2008، حوار مع زياد الرحباني، ص2.
5. بيان صادر عن العلاقات الإعلامية، في حزب الله، حول رحيل الفنان الكبير زياد الرحباني، (26-7-2025)
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
