وداعاً زياد…

د. عدنان منصور

 

بهدوء رحل فنان الشعب الكبير، والموسيقار المرهف المتميّز بعطائه الغزير، وفهمه الواسع، وإبداعه الموسيقي، وعمق كتاباته، ومسرحياته، والذي عكس بأمانة وضمير حي، انتماءه الأصيل الى وطنه، وجسد في داخله إحساس ومشاعر الناس وأحلامهم، وآمالهم. وما يعانونه من إجحاف، وتفاوت طبقي، واستغلال، وغبن، وتمييز، وفقر، وقهر، وإحباط على يد منظومة من مسؤولين لا مبالين، وسياسيين من سماسرة الوطن ومقاوليه.
هو زياد الرحباني، الإنسان الذي ترعرع في بيت أسرة لبنانية، وطنية، عربية عريقة، تمقتُ الطائفية والطائفيين، والتعصّب والانعزال، منها غرَف المحبة، والانفتاح والتسامح، والعيش الواحد، وميّز بفكره الإنساني المتوقد بين الحق والباطل، بين الظالم والمظلوم، بين السارق والمحروم، فكان صوت المهمّشين، والثائر والمقاوم بالكلمة، والفكر، والرأي الحر، والثابت على المبادئ في زمن تشترى فيه المواقف، وتباع القيم!
ما كان زياد الرحباني إلا الصورة المشرقة الناصعة النقية لإنسان حر شريف، آمن بأنّ الفن الحقيقي رسالة للشرفاء، لا سلعة بيد المنتفعين والمأجورين، فن أراده في خدمة مجتمع تسود فيه الحرية، والعدالة الحقيقية، وحقوق الإنسان، والحياة الحرة الكريمة!
زياد ابن الايقونتين الكبيرين عاصي وفيروز، هو النجم الوهّاج، الذي سيظلّ يسطع نوراً في لبنان والعالم العربي، بإرث فنه الراقي المبدع، المعبّر، الملتزم بقضايا الوطن والأمة، والذي اختزن في داخله أمال وتطلعات المواطن المسحوق الغاضب، الثائر على الإقطاع السياسي، والاجتماعي، والمالي، وعلى الفساد في وطن منكوب على مدى عقود، بالمسؤولين والسياسيين الذين أوصلوا البلد إلى هذا الدرك الأسفل.
ما أعظم الفنان عندما يكون ضمير الناس، وصاحب رؤية ورسالة وطنية، تبث ثقافة الوعي الوطني، والاجتماعي، والأخلاقي، ويكون في خدمة الإنسان وحقوقه، وتطلعاته، وكرامته، لا في خدمة الشهرة والجاه، وشهوة المال كما يفعل الكثيرون.
زياد الرحباني، في يوم رحيلك المؤلم عن وطنك، وأهلك، ومحبّيك، وفيما القيثارة تنحني وتتوقف، واللحن يغص، والوتر يبكي، والعزف يبحّ ويصمت، وستارة مسرحك الحزينة تُسدل، ترافقك إلى مثواك الأخير، نقول وفي العين دمعة: وداعاً زياد، ولترقد روحك بسلام…

شاهد أيضاً

المرتضى في كتابٍ مفتوح الى وزيرة التربية:

الدولة التي تنحاز إلى الإنصاف في الظروف الاستثنائية تُعطي أبناءها درساً في المواطنة والعدالة والتفهّم …