بين الشيخ وجنبلاط: من الخائن؟

قراءة في اتهام وليد جنبلاط للشيخ حكمت الهجري

بقلم: حامد بيضون

في مقابلة مع قناة “العربية”، أطلق رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق، وليد جنبلاط، اتهامًا خطيرًا بحق المرجع الروحي الأعلى لطائفة الموحّدين الدروز في سوريا، الشيخ حكمت الهجري، واصفًا إيّاه بالخائن، بعد طلبه العلني تدخل إسرائيل لحماية الدروز من الأخطار المحدقة بهم في الجنوب السوري.

هذا التصريح لم يمرّ مرور الكرام، لا في الأوساط الدرزية ولا في الوسط السياسي الأوسع، إذ فتح بابًا واسعًا للتساؤل حول مفهوم “الخيانة” وحدوده، وحول أحقّية جنبلاط، تحديدًا، في إطلاق هذا النوع من الاتهامات.

من هو الشيخ حكمت الهجري؟

الشيخ الهجري يُعتبر المرجعية الروحية الأولى لطائفة الدروز في سوريا، وقد حافظ طوال سنوات الحرب على خطاب توفيقي محافظ، محاولًا إبقاء جبل العرب بمنأى عن الانخراط المباشر في النزاع. إلا أن الظروف المحيطة بدروز الجنوب السوري تغيّرت مؤخرًا، مع تصاعد التهديدات الأمنية، والانفلات المتزايد، واستهداف النشطاء المعارضين، في ظل غياب واضح لأي حماية رسمية أو دولية.

من هذا الواقع القاتم، جاءت صرخة الشيخ، التي وجّه فيها نداءً إلى “كل من يسمع” لإنقاذ الجبل، حتى لو كان ذلك من إسرائيل نفسها. ورغم فداحة هذا الطرح في الوعي القومي العربي، فإن الرجل لم يكن يفاوض ولا يخطط لتحالف استراتيجي، بل أطلق صرخة ألم، بدت أشبه بنداء غريق في عرض البحر.

وليد جنبلاط وذاكرة الازدواجية

المفارقة أن من أطلق تهمة “الخيانة” هو ذاته الذي لطالما عُرف بتقلّباته السياسية، وبتصريحاته التي تتلوّن حسب المناخ الإقليمي والدولي. فجنبلاط الذي اتّهم الشيخ الهجري بالخيانة، هو نفسه من دعا مرارًا لحماية دولية للجبل، وهو من صافح قيادات كانت حتى الأمس القريب تُتّهم بدماء الدروز. وهو من انتقل في خطابه من قومية كمال جنبلاط إلى ليبرالية مدروسة إلى “واقعية سياسية” يُصعب حصرها بموقف ثابت.

فهل يحقّ لجنبلاط، الذي يقول في كل مرحلة ما يناسبها، أن يُصدر حكمًا أخلاقيًا على رجل لم يغادر موقعه الديني والروحي؟

صرخة أم خيانة؟

ما طرحه الشيخ الهجري يستحقّ النقاش بلا شك. فالدعوة لتدخل إسرائيلي، حتى لو جاءت من باب النجدة، تبقى خطًا أحمرًا في الوعي العربي. لكنها تطرح في الوقت ذاته سؤالًا عميقًا: هل يلام المظلوم إذا صاح بأعلى صوته طلبًا للحماية؟ وهل نمتلك رفاهية الأخلاق ونحن نُدفن تحت الأنقاض بلا منقذ؟

قد لا نتفق مع الشيخ الهجري في طريقة التعبير، وقد نرفض بالمطلق أي تقاطع مع إسرائيل، لكن التعامل مع تصريحه وكأنه “خيانة صافية” فيه الكثير من التبسيط، وشيء من التنصّل من مسؤولية تاريخية تقع على عاتق كل الزعامات الدرزية، وفي مقدمتهم وليد جنبلاط.

ختامًا: من يُحاسب من؟

ليس من العقل أن يتحوّل الهجوم على الشيخ الهجري إلى ورقة لتبييض تاريخ متقلّب. وليس من الإنصاف أن نُجرّم الصوت الذي يصرخ من داخل الحريق، بينما نُهلّل لمن جلس في بر الأمان يُلقي دروسًا في الوطنية.

التاريخ سيحكم، لا على من طلب النجدة فقط، بل على من ترك الجبل وحيدًا في لحظة المصير

شاهد أيضاً

زلزال اليمن في قلب الاحتلال صواريخ الصبر والعزم تهدم الهيبة الزائفة

#عفاف_فيصل_صالح يافا المحتلة ها هي الصواريخ اليمنية تقتحم السماء كالسيوف المضيئة، تهز أركان الكيان الصهيوني، …