وداعاً زياد

بقلم ريما فارس

رحل زياد الرحباني عن عمر التاسعة والستين، كأنّه ودّعنا في لحظة من لحظاته الساخرة، من دون ضجيج، من دون ترتيبات بروتوكولية، تمامًا كما عاش. كان صادقًا حدّ القسوة، وساخرًا حدّ البكاء، رجلًا يحمل على كتفيه ضحكة تتهكم من الخراب، ودمعة لا يحبّ أن يراها أحد.

لم يكن زياد مجرّد موسيقي أو كاتب مسرحي أو ملحن أغاني، بل كان حالة وعي كاملة، يقطف الواقع كما هو، ثم يُقدّمه لنا في قالب نكتة… نضحك عليها، ثم نكتشف أننا نبكي من تحت الضحك. سخر من الحرب، من الطائفية، من الإعلام، من الحكومة، من النفاق، من الدولار، من كل شيء… حتى من نفسه أحيانًا. لكنه لم يسخر أبدًا من القيم، من الشرف، من المقاومة، من الناس الذين يملكون “قلبًا صاحيًا”.

في مسرحياته، كما في لقاءاته، مازج زياد بين السياسة والنكتة بطريقة لم يسبقه إليها أحد. لم يكن يضحك الناس كي يرفّه عنهم، بل كان يفضح، ويعرّي، ويكشف، ويضع المرآة أمام وجهنا نحن، لا أمام وجوه السياسيين فقط. كان يقدّم التحليل السياسي بأسلوب الكاريكاتور، لا بالخرائط والمصطلحات الجافة، بل بالعبارات التي تدخل البيت دون استئذان:
“بدنا حدا يقلنا شو نعمل، لأن واضح إنو نحنا ما منعرف!”
و”كلن يعني كلن… بس مش بنفس الطريقة.”

سخريته كانت لاذعة، لكنها نظيفة. ضحكته كانت موجعة، لكنها حقيقية. ما كان يستهزئ، بل كان يحكي الحقيقة على طريقتو… زياد، يلي إذا قال “النظام طائفي” حسّيته عم يحكي عن عمّك مش عن الحكومة. وإذا قال “الوطن عم ينهار”، كنت تحس إنو عم بيحكي عن بيتك، مش عن نشرة الأخبار.

وكان رغم كل شيء، محبًّا لوطنه. محبًّا لناس هالوطن، وبيشوف فيهم مش الضحية فقط، بل الأمل كمان. أكتر من هيك، كانت عنده محبة عميقة للسيد حسن نصر الله(رحمه الله)، محبة ما فيها تملّق ولا حسابات. محبة فيها إيمان، قناعة، ارتياح داخلي. حكى عنه كتير، وبيّن قديش كان يشوف فيه رجل مبدأ، مش زعيم.
قالها من دون خجل:
“العيش من دون السيّد جحيمٌ مدسوس فيه العسل.”
الجملة ما فيها بلاغة أدبية بس، فيها خلاصة تجربة ووجدان، وتوصيف دقيق لحالة كل من شعر بالأمان حين نطق اسم السيّد في زمن القلق.

وزياد، يلي عاش يهاجم كل أنواع الكذب، ما قدر يعيش على فقدان الحقيقة. يمكن المرض أخد من صحته، بس هو قالها بألم صادق:
“أنا إذا بموت، رح موت فقع من الفقد، مش من المرض.”
كان يقصد الفقد الكبير… فقد الثقة، فقد الأمل، فقد الناس يلي متل السيّد، يلي بيوعدوا وبيوفوا، يلي إذا وعدوك ما بيسكرو تلفوناتهم، ويلي إذا غبت عنّن بيحسّوا فيك.

زياد ما مات، زياد خلّى الناس تحكي بلهجتو، تضحك نكتتو، تعزف موسيقتو، وتكفّي حلمه.
ما صار أسطورة… صار حاجة. صار دليل إنو باللبنان، في ناس ما باعت، وفي ناس بعدا بتحكي الحقيقة… لو على شكل نكتة.
وإنتِ ونازلة عالطريق، إذا سمعتِ حدا عم يقول: “ما خلّونا”، تذكّري إنو زياد بعدو عايش… بكل نكتة بتوجّع، وبكل وجع بيضحّك.بالنسبة لبكرا شو……

شاهد أيضاً

المرتضى في كتابٍ مفتوح الى وزيرة التربية:

الدولة التي تنحاز إلى الإنصاف في الظروف الاستثنائية تُعطي أبناءها درساً في المواطنة والعدالة والتفهّم …