بقلم: ناجي علي امهز
عندما تم الاتفاق على تقسيم تركة الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الاولى والغاء الخلافة عام 1923، وضعت القوى المنتصرة، خاصة بريطانيا وفرنسا، لكل دولة حديثة دوراً وظيفياً محدداً. كانت تركيا الأتاتوركية هي الحصن العلماني الذي يضمن منع الدب الروسي من الوصول إلى المياه الدافئة، وهو دور استراتيجي لا يزال يتردد صداه حتى اليوم.
أما في المشرق العربي، فقد بدأت مرحلة فريدة من نوعها، يمكن أن نطلق عليها “حقبة الليبرالية”. فقد برزت كتلة من النخب السياسية العربية ذات الصداقات المتينة مع القادة الغربيين، مما سمح بظهور قادة وفلاسفة كتاب، وفنانين وموسقيين أثروا في تاريخنا، وقد حكمت هذه النخب المنطقة بتوجهات سياسية ليبرالية، بعيدة كل البعد عن الرؤيا الإسلامية الشاملة للحكم.
شهدت تلك الفترة ما يشبه العصر الذهبي القصير: استقرار وازدهار اقتصادي، وحياة ثقافية وفنية لا نزال نعيش على أطلالها. كان الجنيه المصري سيد العملات، والليرة السورية واللبنانية في أوج قوتها. لكن الأهم كان التسامح والوئام الوطني، حيث وصل الزعيم المسيحي الكبير فارس الخوري إلى أعلى المناصب في سوريا، وتجاوزت المجتمعات في مصر ولبنان والعراق الطائفية البغيضة.
لكن هذا الاستقرار والنجاح كان يشكل خطراً داهماً على المشروع الأكبر: قيام الكيان الإسرائيلي. كان لا بد من تفجير هذا النموذج من الداخل. فبعد نكبة 1948، التي شكلت صدمة وجودية للعرب، بدأ تنفيذ الفصل الثاني من المخطط.
بضربة ساحرة، أُطلقت جماعة الإخوان المسلمين كقوة أيديولوجية بديلة، وتم الانتقال من حكم النخب المدنية إلى حكم العسكر عبر سلسلة من الانقلابات المنسقة. سقطت الأنظمة المستقرة في مصر (1952)، وسوريا (عبر انقلابات متتالية منذ 1949)، والعراق (1958). وهكذا، وخلال سنوات قليلة، تحولت العواصم العربية من ورش عمل للازدهار والتعايش إلى ساحات للفوضى العارمة والصراع على السلطة.
بعد تدمير الاستقرار، جاءت المرحلة الثالثة من المخطط: “حكم الأقليات”. تم تمكين الأقليات من حكم الأكثرية لخلق دول قلقة، غير مستقرة بنيوياً، وبحاجة دائمة إلى حماية خارجية لضمان بقائها. حكمت الأقلية العلوية في سوريا، وحكمت الأقلية السنية في العراق. هذا التوازن الهش ضمن استقرار “الكيان الإسرائيلي” وأخرج مصر من الصراع عبر كامب ديفيد.
وها نحن نصل اليوم، إلى الفصل الأخير من المعادلة. مع وصول الإسلام السياسي إلى السلطة في تركيا عام 2014، ووصول حكم إسلامي جديد إلى سوريا عام 2025، كان لا بد من تطبيق المعادلة العكسية. فالمخطط العالمي لا يسمح بقيام كتلتين إسلاميتين سنيتين متجاورتين وقويتين. إما هذه أو تلك. لهذا، فإن بقاء أردوغان في السلطة كزعيم لـ “تركيا الإسلامية” مرهون بفشل أي مشروع مستقل في سوريا قد ينافسه على الزعامة الإقليمية.
وهنا تتجلى الاستراتيجية التركية المزدوجة: فمن ناحية، تحتاج أنقرة إلى “الشرع” لإخراج روسيا من قاعدتها البحرية في طرطوس، وهو هدف لا يمكن تحقيقه في ظل دولة سورية مستقرة تحكمها اتفاقيات دولية. الحل يكمن في فوضى منظمة، تسمح بظهور جماعات تشن عمليات عسكرية على القاعدة الروسية وتجبرهم على الرحيل بعيداً عن القوانين الدولية. ويساهم “الشرع” في هذه الفوضى عبر استهداف الأقليات، مع أنه كان من السهل احتواؤهم بقوانين ومراسيم، لكن المشروع التركي يحتاج إلى هذا التوتر.
ومن ناحية أخرى، تدرك تركيا “الإخوانية” الخطر الكامن في هذا النجاح. فإذا نجح “الشرع” في طرد الروس، سترتفع أسهمه دولياً وقد يتحول إلى حليف مباشر للولايات المتحدة والناتو، وبديل محتمل للدور التركي.
هذا هو المأزق الذي يدفع بأردوغان إلى التحرك على خطين متوازيين: بدأ بمحاصرة واعتقال زعماء الحركات العلمانية في تركيا لتأمين جبهته الداخلية، وفي الوقت نفسه، يعمل على إغراق “الشرع” في أزمات داخلية (عبر دفعه لمهاجمة الأقليات) ليضمن أنه لن يجد منقذاً له سواه. الهدف هو أن يقطف أردوغان ثمار طرد روسيا، وأن يبقى “الشرع” تابعاً له، لا بديلاً عنه. إنها لعبة شطرنج معقدة قررت فيها تركيا حسم الأمر، لتضمن أن الفائز الوحيد في النهاية هو من وضع قواعد اللعبة منذ البداية، انه النظام العميق.
الشرع يغرق في مستنقع الاحتراب الداخلي، وتركيا ترمي الحبل له، لا لتنقذه بل ليلتف حول عنقه.
تركيا سعيدة بسقوط اخر دولة عربية وهي سوريا وتحولها الى دولة اسلامية ضعيفة، مما يعيد حلم الخلافة الاسلامية المركزية التي تهيمن على المنطقة، وان كان فيها شيعة ضعفاء في العراق ولبنان، ومسيحيين دون سلطة نفوذ سياسي.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
