تخوض جبهة المقاومة للاحتلال الصهيوني وللهيمنة الاميركية على مقدرات العالم والامة العربية صراعا وجوديا على عدة مستويات مترابطة وخطيرة فالتركيز على البعد الميداني لا يجب ان يغيّب الابعاد الاخرى للصراع وخاصة في موضوع المصطلحات والسرديات التي يشكل جوهر معركة الوعي التي تخاض على مستوى الامة كما لا يجب ان يغيّب البعد السياسي والقانوني والاقتصادي والاجتماعي والتربوي والثقافي وحتى البيئوي وان كان اهتمام الفضاء الاعلامي يركّز على البعد العسكري والسياسي فقط لكن ذلك التركيز على البعد الميداني والسياسي يُترجم بسلسلة مصطلحات وسرديات هدفها كسر روح المقاومة في وعي الامة وترويج وتعميق ثقافة الهزيمة التي تكلم عنها ابن خلدون منذ اكثر من ستة قرون
ففيما يتعلق بالمصطلحات فهي مصطلحات يصنعها الغرب وخاصة الكيان الصهيوني كتسمية جيش الاحتلال جيش الدفاع كما ان تسمية الكيان ب “اسرائيل” هو لاعطاء شرعية توراتية لاسم علم هو من الانبياء ومصطلح آخر يروّجه الغرب هو “حق الدفاع عن النفس” لتبرير القتل الجماعي ومصطلح آخر هو انتقاد الكيان وسياساته الاجرامية ب “معاداة للسامية” لسنا هنا في اطار عرض كافة المصطلحات التي يروّجها الغرب والكيان الصهيوني بل لعرض وتفنيد السرديات التي ترافق تلك المصطلحات والتي تشكل المادة الاعلامية يفرضها على الجميع وسنركّز على سردية محددة تُستعمل لترويج لموقف سياسي يدعو صراحة للاستسلام للمشيئة الصهيونية والاميركية
هذه السردية تنطلق من فرضيات يعتبرها الغرب غير قابلة للنقاش وكأنها محفورة بالصخر فالترويج الى الاستسلام ينطلق من فرضية ان الضربات الصهيونية والاميركية لمكونات محور المقاومة في لبنان وفلسطين واليمن وسورية والجمهورية الاسلامية في ايران هي بمثابة نصر مبين في الميدان فهذا غير صحيح لا من بعيد ولا من قريب فاذا كانت تلك الضربات قاسمة وحسمت المعركة فلماذا طلب الكيان وقف اطلاق النار مع كل من لبنان والجمهورية الاسلامية في ايران فاذا كانت قوات الاحتلال “انتصرت” في الميدان فلماذا لم تكمل المهمة وتدخل لبنان حتى العاصمة كما فعلت في 1982 وفرضت نظاما سياسيا مواليا لها وبشروطها ونزعت ما تبقى من سلاح من جهة اخرى اذا كان زعم قوات الاحتلال انها مع الولايات المتحدة قضت على البرنامج النووي في ايران فلماذا استنجدت بالولايات المتحدة لجلب وقف اطلاق النار بعد القصف الصاروخي المركّز الذي استهدف البنية العسكرية والامنية والاقتصادية للكيان
من جهة اخرى اعتبر الكيان ان استهداف القيادات في المقاومة يعني انتهاء المقاومة سواء في لبنان او اليمن او في فلسطين المحتلة وغزة هذه النظرة تدل على موقف عنصري متجذر في العقل الصهيوني والغربي بان العرب عاجزون عن انشاء مؤسسات تستطيع ان تكمل الطريق اذا ما غابت القيادات يعتبر هذا العقل العنصري الاستشراقي ان العرب والمسلمين يلتفون حول القيادة الشخصية فقط وليس حول قضية او مؤسسة وان تغييب القيادة سيؤدي الى الانهيار لم يحصل ذلك ولن يحصل ذلك لعدة اسباب لسنا هنا في اطار شرحها بل للتركيز على ان الفرضية الصهيونية والاميركية التي تُبنى عليها المطالب السياسية لصالح العدو غير صحيحة وانها جزء من خطة اعلامية خبيثة للحصول في الاعلام عبر التهويل والترهيب ما لم يستطع كل من الكيان والولايات المتحدة الحصول عليه في الميدان
فاذا اخذنا على سبيل المثال تصريحات الموفد الاميركي للبنان وسوريا اي السفير الاميركي في تركيا توماس برّاك والتي هي بمثابة الانذار الوجودي للكيان اللبناني فهو يفترض ان محور المقاومة اصبح في حالة ضعف لا يمكنه ان يقاوم المشيئة الاميركية والصهيونية وهناك اعلام عربي ولبناني يروّج بشكل مكثف ومستمر لتلك الفرضية الخاطئة متناسيا عمدا ان طلب وقف اطلاق النار كان من الجانب الصهيوني برعاية اميركية لايقاف الاستنزاف الذي سببته ضربات المقاومة على كافة مناطق فلسطين المحتلة والخسائر التي تكبدها في الميدان في المحاولات البائسة واليائسة والفاشلة في التقدم في البر على حافة الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة اعتبر الاميركيون والصهاينة ومعهم جهات عربية ولبنانية ان استشهاد الامينين العامين السيد حسن نصر الله وهاشم صفي الدين انهت المقاومة كما اعتبروا ان الجمهورية الاسلامية “ضعفت” بعد “الضربات” الاميركية والصهيونية متجاهلين مرة اخرى ان الكيان الصهيوني هو من استجدى الاميركي لوقف اطلاق النار كما اعتبروا ان سقوط النظام في سورية شكل ضربة قاسمة لخطوط الامداد من ايران الى المقاومة في لبنان متجاهلين عمدا ان هشاشة النظام القائم حاليا في دمشق تسهل عمليات التوريد هذا اذا ما افترضنا ان المقاومة بحاجة ماسة لذلك الخط الامداد وهذا غير مؤكد للمقاومة
هذه الفرضيات الخاطئة التي تنفيها الوقائع شكلت ارضية لسردية يتم ترويجها لتحقيق اهداف اخفق العدوان الصهيوني والاميركي على انجازها والضغط الذي يمارس على لبنان للرضوخ لشروط الكيان عبر “الوسيط” الاميركي هو لتحقيق نزع سلاح المقاومة لاعتبار ان حالة الانقسام في لبنان حول المقاومة تمهّد لنجاح ذلك الضغط وهناك وسائل اعلامية في لبنان اضافة الى مدونات على وسائل التواصل الاجتماعي تروّج لكل ذلك الا ان الاستعجال في ممارسة الضغوط المكثفة تعني ان هشاشة الموقف الاميركي والصهيوني وضعف النظام القائم في سورية يجعل من التهديدات الموجهة الى لبنان كتعبير عن حالة ضعف موضوعية عند العدو والذي يريد ترميمه عبر انجازات سياسية لم يحققها في الميدان وكذلك الامر بالنسبة لغزة حيث عجزت قوات الاحتلال الصهيوني من حسم المعركة بعد اكثر من 20 شهر رغم كثافة القتل المتعمد لكسر ارادة المقاومة والشعب.
اما فيما يتعلق بالتهديد باعادة اجزاء كبيرة من لبنان الى سورية فهذا يفترض ان النظام القائم حاليا في دمشق يستطيع ان يقوم بذلك الهدف هو استخدام جماعات التعصب والغلو والتوحش لمواجهة المقاومة في لبنان كون ان هذه الجماعات على استعداد على بذل الدم بدلا عن قوات الاحتلال الصهيوني او القوات الاميركية التي لا تستطيع تحمّل الخسائر البشرية حتى لو كانت قليلة فما بالك ان كانت بالالاف غير ان النظام القائم في دمشق اظهر قدرا كبيرا من الهشاشة والضعف ما يجعل الاتكال عليه في مواجهة عسكرية مع كل من الجيش اللبناني والمقاومة في لبنان ناهيك عن العشائر المسلحة في البقاع امرا صعبا جدا وقد يؤدي الى تسريع انهيار النظام القائم ونذكر هنا ان تلك الجماعات خاضت معارك مسلحة مع قوات الجيش اللبناني بقيادة الرئيس الحالي للبنان العماد جوزيف عون والمقاومة في ذروة الدعم العسكري والمالي والسياسي لها في مواجهة الدولة السورية انذاك الا ان تلك الجماعات هزمت في السلسة الشرقية من جبال لبنان فماذا تغيّر في الميزان العسكري وهل التدخل الجوي للكيان الصهيوني سيجعل الكيان بمنأى عن ضربات المقاومة في عمق فلسطين المحتلة والتي اجبرته على طلب وقف اطلاق النار والاحداث الاخيرة في جنوب غرب سورية في جبل العرب يدل بوضوح على ان النظام القائم ليس ممسكا بالامور كما ان التدخل الصهيوني يضعف من هيبة النظام وهذا التدخل يربك المشروع الاميركي الذي يريد استعمال النظام القائم كورقة ابتزاز في لبنان وان كانت تلك الورقة هشّة في البداية فما بالك بعد الاحداث الاخيرة وقصف الصهيوني لمقر الرئاسة ووزارة الدفاع السوري فهل هذا النظام قادر على ضم لبنان اما اذا استند النظام القائم في سورية الى تركيا فهل هي قادرة ان تردع الكيان خاصة ان المفاضلة بين الكيان وتركيا عند الاميركيين هي لصالح الكيان وليس لتركيا وهل ستقبل تركيا ان يفشّل الكيان مشروعها العثماني في غرب آسيا تمهيدا للامتداد الى وسط آسيا
من جهة اخرى هل الوضع العربي وخاصة مصر وبلاد الحرمين يسمح لتغيير الخرائط من طرف واحد وهي مستهدفة ايضا من قبل الكيان ما شهدناه في السنوات الثلاث الماضية تنامي استقلالية القرار في كل من مصر وبلاد الحرمين فلماذا يُستبعد ان تتصدى الدولتان للمشاريع الصهيونية التي لم يخف الكيان استهدافه لهما هناك من يردد ان الحالة العربية في حال تراجع مذري وانه اصبح من الميؤوس النهوض في الظروف الحالية لسنا من هذا الراي مع الاعتراف ان حال الامة يمكن تحسينها لكن معالم النهوض موجودة في كل اقطار الامة بما فيها تلك الدول المحسوبة على الولايات المتحدة فاستطلاعات الراي العام التي اجرتها جامعة هارفارد وشركة هاريس في بلاد الحرمين كانت بمثابة صدمة كبيرة للكيان الصهيوني حيث اكثر من 95 بالمائة من المستطلعين اعلنوا عن رفضهم للتطبيع واعتبار الكيان عدوا هل كان بالامكان اجراء ذلك الاستطلاع ونشر نتائجه لولا الموافقة الضمنية للسلطة اما على صعيد آخر فمعالم النهوض تكمن في المقاومة في كل من لبنان وفلسطين واليمن والعراق حيث استطاعت ان تستوعب احدث التكنولوجيات العسكرية وابتكار المعدات ومنها الصواريخ المجنحة والفارقة للصوت في اليمن رغم الحصار المفروض على كل من تلك الاقطار هنا نريد التذكير ان النهضة العربية في القرن التاسع عشر اتت بمقاومة الاستبداد في المشرق العربي ومقاومة الاحتلال في المغرب العربي فالمقاومة هي جوهر النهضة العربية وبالتالي صمود هذه المقاومة امام الهجمات الشرسة الصهيونية والغربية يعني ان النهضة العربية قائمة وهذا ما يرعب العدو وحلفاؤه رغم حالة التشرذم والانقسام التي فرضها وعمقها عبر العقود الماضية
اما على صعيد موازين القوة في الاقليم وفي العالم فمهما حاول الحلف الاميركي الصهيوني اخفاء يقين الميزان فانه يميل بشكل واضح كي لا نقول كاسر لصالح المحور المناهض للهيمنة الاميركية على الصعيد الدولي وليس لصالح العدو والولايات المتحدة في الساحات الساخنة في غرب آسيا والمشرق العربي فعلى الصعيد الدولي فكافة المعايير القياسية والنوعية تدل على تراجع الغرب الذي هو سبب وجود الكيان وبقاؤه فاذا ضعف الغرب وخاصة الولايات المتحدة ضعفت امكانية الكيان في البقاء واذا تم تدمير اجزاء كبيرة من مكونات الكيان فمن الصعب عليه التعويض عنها لان الغرب لم يعد يملك القوة للتعويض سواء على الصعيد العتاد العسكري او الامكانيات الاقتصادية واذا اراد الكيان الصهيوني الاستفادة من “حكمة” قيادات الغرب فرداءة تلك الكيانات لن تكون فاعلة خاصة بعد استمرار ارتكاب الاخطاء نفسها بالمقابل فان المحور المناهض للهيمنة الغربية يتمتع بتقدم بل بتفوق على الصعيد العسكري والاقتصادي والاخلاقي كما ان نوعية قياداته ارقى بكثير من نوعيات القيادات الغربية بما فيها الكيان وكذلك الامر بالنسبة للساحات الساخنة حيث التفوق في الاداء العسكري في كل من غزة ولبنان واليمن والجمهورية الاسلامية في ايران على كل من الولايات المتحدة والكيان يعني ان قدرة التحالف الاميركي الصهيوني محدودة جدا لتغيير في المعادلات العسكرية والسياسية
لكن السلاح الاكثر فعالية للتحالف الاميركي الصهيوني هو ادواته الاعلامية لترويج سرديته وحتى على ذلك الصعيد فالحملة الاعلامية التي قام بها انصار المقاومة في العالم وعبر وسائل التواصل الاجتماعي وبسبب غباء الكيان الصهيوني في تدوين الجرائم التي يرتكبها بحق اهلنا في غزة ساهم بشكل مباشر وفعال في تأليب الراي العام ضد الكيان ولصالح القضية الفلسطينية وحتى في الغرب وفي الولايات المتحدة اصبح المزاج الشعبي مؤيدا لفلسطين ومنددا ليس لسياسات الكيان فحسب بل في كثير من الاحيان لوجود الكيان كمصدر للبلاء في المنطقة وحتى في العالم وهناك شرائح يهودية في الغرب وفي الولايات المتحدة بدأت تعتبر ان سياسات الكيان اصبحت مصدر خطر لامن اليهود في الدول التي يعيشون فيها ويمكن الاسترسال في العديد من مكونات ميزان القوى التي يمكن قياسها والتي يمكن تقييمها لتدل على ان المعركة التي يخوضها الكيان ومعه الولايات المتحدة معركة عبثية وبائسة وان النصر مكتوب لمن يقاومهما
أضف إلى كل ذلك هشاشة الوضع الداخلي في الكيان وفي الولايات المتحدة وفي معظم الدول الأوروبية فهذه الهشاشة تضعف ان لم تلغ اي امكانية لعمل عسكري مشترك ضد كل من لبنان والجمهورية الاسلامية في ايران حيث بات واضحا ان الوضع الداخلي في ايران اكثر تماسكا مما كان يعتقده الحلف الصهيوني الاميركي وهذا ضليل اضافي على ضعف تقديرات الاستخبارات الصهيونية والغربية للمشهد الداخلي في ايران والدليل على ذلك العجز هو التذكير للمرّة الالف او اكثر ان الكيان الصهيوني هو من طلب وقف اطلاق النار في لبنان وفيما بعد في الجمهورية الاسلامية بعدما تأكد فشل تحقيق اهدافه وبعد عجزه عن اي انجاز في الميدان والتقدم البري في لبنان اما التقدم الذي حققه بعد وقف اطلاق النار في لبنان وليس قبل فهذا دليل اضافي على تواطؤ الولايات المتحدة التي رعت وقف اطلاق النار والتقدم الجغرافي للكيان في سورية سببه سقوط النظام وعدم وجود اي وسيلة للدفاع بعد تدمير كل مقدرات الجيش العربي السوري وبنيته التحتية لذلك من الصعب اعتبار ذلك انجازا يُعوض عن الاخفاق في كل من غزة ولبنان اما في الولايات المتحدة فالاستطلاعات الاخيرة لمعهد بيو المشهور تدل على ان حتى القاعدة الجمهورية وخاصة بين الشباب لم تعد مؤيدة للكيان ما يعني ان التصدع في الكتلة الداعمة للكيان اصبح يحكم سلوك القيادات الجمهورية التي لا تستطيع تجاهل قاعدتها بغض النظر عن مصالحها وارتباطاتها مع اللوبيات الصهيونية
بناء على كل ذلك فان السرديات التي تروّج الى انتصار الكيان والولايات المتحدة ليست الا اوهاما في مخيلة قياداتهم وبعيدة جدا عن وقائع الميدان وهذا التباين بين الواقع الميداني والخطاب الاعلامي يعكس مدى عمق الازمة التي يعيشها الكيان والولايات المتحدة فالعمليات النوعية للمقاومة في غزة تدل بوضوح ان بعد حوالي 22 شهر من بدء عملية الطوفان ان قدرات المقاومة ما زالت جيدة بل افضل في الاداء عما كانت عليه في البداية كما ان العامل اليمني كان بمثابة المفاجأة الاستراتيجية الكبرى التي عطلت كافة مشاريع الهيمنة الاميركية على الممرات المائية رغم زعمها انه تملك افضل الاساطيل والقوات الجوية في العالم فبعد اكثر من 22 شهر ما زال اليمن يمارس عملية الاسناد للمقاومة ويمنع السفن المتوجهة الى الكيان من المرور الى المرافئ في فلسطين المحتلة رغم الاساطيل الاميركية في البحر الاحمر والمحيط الهندي فكلّ ذلك يدل على ان لا تفاهم ولا تسوية ممكنة الا وفقا لشروط المقاومة وليس لشروط الكيان ومن يدعمه فالقبول بالشروط هو اعلان عن هزيمة والاستمرار في المواجهة هو عمل عبثي سيسرع في نهاية الكيان هذا هو المأزق الذي يعيشه الكيان ومعه الولايات المتحدة في عدم التقدم في الميدان وحالة الانكار للواقع المتراجع بل للهزيمة الاستراتيجية.
تاريخ: 21.07.25
د.زياد حافظ
الامين العام السابق للمؤتمر القومي العربي ورئيس منتدى سيف القدس
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
