رواية قهوة على أنقاض السويداء واسباب انهيار العالم العربي.

بقلم: ناجي علي أمهز

مقدمة الكاتب
لم أعش زمن وعد بلفور، ولم أولد في حقبة النكبة، لكنني، ككل عربي، وُلدتُ وفي حلقي مرارة تلك الحقبة. طالعتُ ما كُتب في الرواية العربية عن ضياع فلسطين، وترجمتُ وثائق لا حصر لها شرحت أسباب ما جرى. اليوم، أكتب هذه الرواية ليس عن ماضٍ ضاع، بل عن مستقبل يضيع أمام أعيننا. هي قصةٌ وُلدت من رحم آلاف التغريدات والمنشورات التي تفور بالكراهية، والتي كشفت عن موقف بعض المسلمين من إخوتهم في الوطن، الدروز، وكيف يصبح التحريض والتكفير وقوداً لحرائق لا تبقي ولا تذر. هذه حكاية درزي وبدوي، لكنها في العمق، حكاية ضياع السويداء، وربما… ضياع العالم العربي بأسره.

الفصل الأول: شق في جدار الروح
لم يكن الدكتور “جواد”، جراح القلب العائد من الولايات المتحدة، يبحث عن الكثير. كل ما أراده هو ذلك السلام الذي سرقته منه حياة الغرب الصاخبة. أراد أن يستبدل صفير سيارات الإسعاف في شوارع شيكاغو بصوت الديك وهو يشق سكون الفجر في مزرعته بالسويداء. أراد أن يدفن يديه في تراب أرضه، لا في أحشاء مرضاه، وأن يشعر بدفء الشمس على وجهه، هو الذي قضى عمره تحت ضوء المصابيح الباردة في غرف العمليات.
كان يحمل الجنسية الأمريكية كدرع، وعادات الغرب كقناع. اكتسب منهم برودهم الظاهري، تلك المسافة العقلانية التي تفصل الطبيب عن مريضه، والإنسان عن انفعالاته. لكن تحت هذا الصقيع المصطنع، كان هناك ودٌ غريب يرتاح له تجاه “سالم”، الفلاح البدوي الذي يعمل في مزرعته. كان يرى فيه أصالة الأرض التي عاد من أجلها، بساطة فطرية تذكره بأن الحياة يمكن أن تكون أقل تعقيداً.
لكن رياح الكراهية كانت تهب من أماكن بعيدة، حاملةً معها غبار الفتنة. كانت تصل عبر أثير الإنترنت، وتُهمس في المجالس، وتُلقى كالسم في الآذان. ذات يوم، انفجر كل شيء. لم يكن الأمر شخصياً في بدايته، بل كان صدىً لأعمال عنف اندلعت بين بعض البدو والدروز في مناطق مجاورة. لكن الكراهية العامة تجد دائماً طريقها لتصبح شخصية.
صرخ سالم في وجه الدكتور جواد، ولم يكن يرى أمامه الطبيب الذي يثق به، بل مجرد “درزي”. انطلقت الكلمات من فمه كالقذائف: “أنت كافر! قرد خنزير! قتلك حلال، دمك حلال، ونساؤك سبايا لنا!”.
سقطت الكلمات على جواد سقوطاً غريباً. لم تغضبه بقدر ما أثارت فيه حيرة الطبيب. نظر إلى سالم، لم يرَ وحشاً، بل رأى حالة مرضية. عقلاً أصابه فيروس قديم. وببروده المكتسب، قرر أن يعالج هذا “العارض” كما يعالج أي انسداد في الشرايين. لجأ إلى الحيلة، وتظاهر بالرغبة في الصلح، ليقنع سالم بالذهاب معه إلى صديقه الطبيب النفسي في المدينة. كان يعتقد أن العقل، كما الجسد، يمكن إصلاحه بجلسات ومشرط من المنطق.

الفصل الثاني: عيادة العقل
في العيادة الهادئة ذات الأثاث البسيط، كان الدكتور “عادل” ينتظر. نظر إلى صديقه جواد، ثم إلى الفلاح سالم الذي جلس على حافة الكرسي متوتراً، كأنه في قفص الاتهام.
بدأ الدكتور عادل بهدوء، بصوت يهدف إلى نزع فتيل التوتر: “يا سالم، أخبرني… من أين أتيت بهذه القناعة؟ من قال لك إن قتل إنسان يختلف عنك في الدين هو أمر مباح؟”.
لم يتردد سالم. كانت إجابته جاهزة، مصقولة، لا يتخللها شك: “هذا هو الدين. قال الإمام ابن تيمية إن الدروز كفرة مرتدون، لا تقبل توبتهم، ويجب قتلهم ومصادرة أموالهم وسبي نسائهم. ولا يجوز حتى الأكل من طعامهم أو العمل لديهم”.
ابتسم الدكتور عادل ابتسامة باهتة، وقال: “ابن تيمية… وهل تعتقد أن ابن تيمية، حين قال ما قال، كان يقصد رجلاً مثل الدكتور جواد؟ جراح القلب الوحيد في هذه المنطقة، الذي أنقذت يداه أرواح العشرات من أهلك وقبيلتك؟”.
أجاب سالم بصلابة: “ابن تيمية لم يستثنِ أحداً. قال: كل الدروز”.
“ولكن يا رجل، فكّر معي”، قال الطبيب النفسي وهو يميل إلى الأمام، “لو أنك قتلت هذا الطبيب، قد يموت العشرات ممن هم بحاجة لجراحته. ألا يستحق هذا الرجل استثناءً؟ ألم تسمع بمقولة ‘الضرورات تبيح المحظورات’؟”.
صمت سالم للحظة، كأنه يقلّب الفكرة في رأسه، لكنه سرعان ما أغلق الباب في وجهها. قال: “لا أعلم. ابن تيمية أعلم مني ومنك، وهو أفتى بقتلهم جميعاً، أطباء كانوا أم مهندسين”.
تنهد الدكتور عادل، وشعر أن جدران العيادة تضيق عليه. “وهل تدمير الوطن وخسارة أفضل أبنائه، الذين كلّف تعليمهم وتدريبهم أموالاً وجهداً، أهون من مراجعة فكرة قديمة؟”.
رد سالم بكلمتين كانتا بمثابة الحكم النهائي: “الدين هو الدين”.
هنا، قرر الطبيب النفسي أن يضرب ضربته الأخيرة، أن يضع الفكرة في مختبر الخيال: “طيب يا سالم، تخيل معي لو أن ابن تيمية نفسه عاد اليوم، وكان بين الحياة والموت، ولا منقذ له إلا الدكتور جواد. فدخل جواد وأجرى له عملية أنقذت حياته. حين يفيق ابن تيمية من غيبوبته، ويعلم أن من أعاده إلى الحياة هو رجل درزي… برأيك، هل سيأمر بقتله وتدمير عيادته وسبي زوجته؟ أم تراه كان سيبحث عن فتوى أخرى، مخرج فقهي، ليقول إن هذا العمل النبيل قد منح هذا الطبيب مكانة مختلفة؟ ربما عندها، يصبح الدروز في نظره أناساً يستحقون الحياة والاحترام”.
صمت سالم، لكنه صمت العناد لا صمت التفكّر.
أكمل الدكتور عادل بنبرة اختلط فيها الأسى بالعلم: “يا صديقي، لو كانت النصوص مقدسة إلى درجة الجمود، لما تطورت البشرية. نحن نتعلم من أخطائنا. ابن تيمية عاش قبل سبعمائة عام! أنت وابنك الذي يفصل بينكما عشرون عاماً فقط لا تتشابهان في كل شيء، فكيف تريد أن تحكم حياتك بمنطق رجل عاش في عصر مختلف تماماً؟”.
ثم سأله: “أخبرني عن أحاديث أخرى لابن تيمية… أحاديث عن التسامح، عن المحبة، عن الصفح بين المسلمين وغيرهم”.
هنا، استعاد سالم قوته، وبدأ يسرد الفتوى بزهو، كأنه يتلو نصراً: “لقد قال ابن تيمية: الدروز هم الكفرة الضالون فلا يباح أكل طعامهم وتُسبى نساؤهم وتؤخذ أموالهم. فإنهم زنادقة مرتدون لا تقبل توبتهم، بل يُقتلون أينما ثُقفوا، ويُلعنون كما وُصفوا… ويجب قتل علمائهم وصلحائهم لئلا يضلوا غيرهم…”.
لم يعد هناك ما يمكن قوله. نظر الطبيب النفسي، الدكتور عادل، إلى صديقه جراح القلب، وقال بنبرة لم تعد تحمل أي أمل: “أعتذر منك يا جواد. لقد قررت. سأغلق هذه العيادة وأعود إلى باريس. سأبدأ من جديد هناك. وأنت… ماذا ستقرر؟”.

المشهد الثالث: ذكريات من تراب الجنة (إظهار الماضي)
قبل أن تهب رياح الكراهية، كانت مزرعة الدكتور جواد قطعة من جنة منسية. لم يكن سالم مجرد فلاح يعمل بأجر، بل كان حارس أسرار تلك الأرض. كان يفهم صمت الأشجار، ويعرف ما الذي يرضي شجرة التين وما الذي يغضب كرمة العنب. وكان جواد، الجراح الذي اعتاد أن يقرأ أسرار القلوب على شاشات الأجهزة، يجد نفسه تلميذاً صغيراً أمام حكمة سالم الفطرية.
يومًا، وقفا معًا أمام شجرة ليمون شاحبة الأوراق، توقفت عن العطاء فجأة كأنها أعلنت يأسها من الحياة. قال جواد بمنطقه العلمي: “علينا أن نشخص الداء أولاً يا سالم، نحلل التربة، ونرى ما الذي ينقصها”. هزّ سالم رأسه ببطء، ثم انحنى وتحسس جذع الشجرة بيديه الخشنتين كما يتحسس جبين طفل مريض. قال بصوته الأجش: “الأرض لا ينقصها شيء يا دكتور. هذه الشجرة وحيدة، ظلها قليل وشمسها حارقة. الأشجار مثل البشر، تحب الونس”. وفي اليوم التالي، زرعا إلى جانبها شجيرة ياسمين صغيرة، وبعد أشهر، عادت الحياة تدب في عروق شجرة الليمون.
كانا يجلسان أحيانًا في الظل، يقتسمان رغيف خبز وزيتونات قطفها سالم من شجرة ورثها عن جده. كان جواد يتحدث عن صقيع شيكاغو وعن حياة الغرباء التي لا جذور لها، وكان سالم يستمع في صمت، ثم يقول: “الأرض يا دكتور، ترد الجميل لمن أحبها وتلفظ من ينكرها”. في تلك اللحظات، لم يكن هناك درزي وبدوي، لم يكن هناك طبيب وفلاح. كان هناك إنسانان جمعهما حب قطعة من تراب الوطن، وشعور بسيط بالانتماء. هذه الصورة، صورة الخبز المشترك والظل الواحد، هي ما جعلت صرخة سالم “أنت كافر” فيما بعد، ليست مجرد تهمة، بل طعنة في قلب ذكرى كانت يوماً مقدسة.

المشهد الرابع: ليلة في عقل سالم (العالم الداخلي لسالم)
في تلك الليلة، بعد أن غادر عيادة الطبيب النفسي، لم ينم سالم. كان الظلام في غرفته الصغيرة أثقل من المعتاد. كانت كلمات ابن تيمية التي رددها بزهو في النهار، تدور في رأسه الآن كطنين حاد، لكن صورة أخرى كانت تزاحمها بعناد، صورة لم يستطع طردها: وجه الدكتور جواد وهو يفحص ابنه “حمزة” قبل عامين.
كانت حرارة الطفل تلهب جسده الصغير، وكانت زوجته تبكي في صمت، ولم يكن يملك أجرة الطبيب في المدينة. وصل خبر مرض الطفل إلى جواد، وفي منتصف الليل، توقفت سيارة الطبيب أمام بيته الطيني. دخل جواد بهدوئه ووقاره، لم يسأل عن دين أو طائفة، بل وضع يده الباردة على جبين حمزة، وحقنه بإبرة أعادت الحياة إلى عينيه الذابلتين. وعندما حاول سالم أن يدفع له ما تيسر من مال، دفعه جواد بلطف وقال: “صحة ابنك هي الأجرة يا سالم”.
الآن، في عتمة الليل، كان سالم يتساءل: هل ذلك الرجل هو نفسه الكافر الذي يجب قتله؟ هل تلك اليد التي شفت ابنه هي نفسها اليد التي يجب أن تُقطع؟ صراع مرير دار في صدره. صوت الإيمان كما لقنوه إياه يصرخ فيه: “هذا امتحان من الله ليختبر قوة إيمانك! لا تدع عاطفتك تغلب دينك!”. وصوت خافت، صوت الفطرة والجميل الذي لا يُنسى، يهمس له: “أي دين هذا الذي يأمرك بقتل من أحيا ابنك؟”.
لكن الصوت الخافت كان أضعف. الخوف من المجتمع، والخوف من الشك، والخوف من الجحيم، كان أقوى من ذكرى ليلة واحدة. لكي يريح ضميره المعذب، كان عليه أن يقتل تلك الذكرى. همس لنفسه في الظلام: “كان يفعله ليضلني عن الطريق. إنه الكافر الذي حذرنا منه الشيخ”. أمسك بهذه الفكرة كالغريق الذي يتمسك بلوح خشب، وكررها حتى صدقها، حتى طرد صورة الطبيب الحنون من رأسه، وأبقى فقط على صورة الكافر الذي يستحق الموت. في تلك الليلة، لم ينتصر الدين في قلب سالم، بل انتصر الخوف، وهذا هو أصل كل مأساة.

المشهد الخامس: الرحيل
وقف الدكتور جواد، وشعر أن حلمه بالعودة ينهار فوق رأسه. قال بصوت متهدج: “كنت أحلم بالعودة إلى أهلي ووطني، أن أقضي ما تبقى من عمري بين عملي كطبيب ينقذ الأرواح، وبين مزرعتي التي أستريح فيها من ضجيج أمريكا. يعز عليّ أن لا أستيقظ على صوت الديك، وأن لا أتنقل بين أشجاري وأجلس في ظلها… يعز عليّ أن أرحل”.
ثم نظر إلى سالم، لا كطبيب ينظر إلى مريض، بل كضحية تنظر إلى جلادها: “لكنني طبيب. إن بقيتُ هنا، سأُقتل. وإن رحلتُ، سيموتون هم بالأمراض التي لا يجيد غيري علاجها”.
قبل أن يكمل جملته، صرخ سالم في وجههما معاً، بصوت المنتصر الذي لا يريد منهم شفقة ولا خدمة: “الله هو الذي يشفينا! سنتعالج بحبة البركة، ولدينا شيخ مبروك يعالج بالأحجبة. لا نريدكم. ارحلوا يا كفار!”.
وهكذا، رحل الطبيب النفسي إلى باريس، وبدأ الطبيب الجراح يحزم حقائبه عائداً إلى شيكاغو. وهكذا، رحل ويرحل كل يوم عن أوطاننا المهندسون والأطباء والمعلمون والعباقرة، من كل الطوائف، لا يطويهم الغرب، بل تطردهم أوطانهم.
تذكر جواد وهو يغلق باب مزرعته للمرة الأخيرة، ما سمعه قبل أيام عن شيخ عشيرة متنفذ قال بعد حوادث النهب والحرق في السويداء، إنه “لا يطيب له فنجان قهوته إلا في السويداء”، وكأن المدينة وسكانها وأرواحهم مجرد فناء خلفي لطقوس مزاجه.
أدرك جواد في تلك اللحظة الحقيقة المرة. هذا العالم العربي لن تقوم له قائمة، ولو أمطرت عليه السماء ذهباً وفضة. فالأوطان لا تُبنى بالإسمنت والمال، بل تُبنى بالإنسانية، وباحترام الإنسان لأخيه الإنسان. وحين يُهدَم الإنسان، لا يبقى شيء يستحق البقاء.

الفصل الأخير: وصية على تراب الوطن
كان قرار الرحيل قد اتُخذ. لم يعد في القلب متسع لمزيد من الصدمات، ولا في العقل قدرة على استيعاب هذا الجنون. شرع الدكتور جواد في الإجراءات العملية ببرود الجراح الذي اعتاده. باع المزرعة، حلم عمره، قطعةً قطعة. كل توقيع على ورقة بيع كان كبتر عضو من روحه. لكنه، في لحظة أخيرة من التشبث العنيد، استثنى قطعة أرض صغيرة، بضعة أمتار مربعة لا تكاد تكفي لشيء، إلا لدفن رجل.
حمل جسده المثقل بالخيبة، وتوجه إلى مجلس الشيخ “مشهور”، شيخ عقلٍ من طائفته، رجلٌ تعلو وجهه هيبة السنين ووقار الحكمة. وجده في مجلسه الهادئ الذي تفوح منه رائحة القهوة المرة والهال.
تحدث جواد بصوت هادئ، صوت رجلٍ يلقي بوصيته الأخيرة: “فضيلة الشيخ، لقد بعت المزرعة وقررت الرحيل. لم أترك من أملاكي سوى هذه القطعة الصغيرة”. مدّ يده بورقة تثبت ملكيتها. “أتمنى عليكم أن تعهدوا بها إلى سالم، الفلاح. أريده أن يزرعها ويفلحها ويهتم بها كأنها ملكه. سأرسل لكم راتبه كل أول شهر دون انقطاع”.
صمت جواد للحظة، وأخذ نفساً عميقاً قبل أن يلقي بمكنون قلبه: “وأرجوك يا شيخنا… عندما أموت ويعود بي الجسد إلى هذا الوطن، أن أُدفن في هذه الأرض الذي يهتم بها سالم. هذه وصيتي”.
لم يكن الشيخ مشهور يعلم شيئاً عن العاصفة التي دارت بين الطبيب والفلاح. نظر إلى جواد نظرة أب حنون، وقال بلهجة عتاب رقيق: “يا حضرة الدكتور، صار عمرك خمسة وستين عاماً، وبعد هذا العمر كله لم تطلع بعد على دين طائفتك؟ ألا تريد يا ابني أن تعرف عن دينك قبل ما ترجع لغربية. ؟”
نظر جواد إلى الشيخ، وارتسمت على شفتيه ابتسامة فيها الكثير من الأسى. قال بإنهاك: “بطلت تحرز يا فضيلتنا. نحن تربينا في جو من العلمانية، والدين بالنسبة لي أمر شخصي. لقد أنقذت أرواحاً كثيرة، وإن لم يغفر لي الرب هذا، فلا أظن أن شيئاً آخر سيغفر لي”.
هنا، ابتسم الشيخ مشهور ابتسامة واسعة، ابتسامة من يعرف السر. قال بصوت دافئ هزّ كيان جواد: “وهذه هي الحكمة بعينها يا ابني جواد! هذه هي حكمة ديننا. نحن لا ندعو حتى أبناءنا الذين هم من لحمنا ودمنا ليتعلموا الدين قسراً، لأن الدين قناعة شخصية بين العبد وربه. وهكذا تميّز الدروز منذ نشأتهم؛ تعاملوا مع الناس ليس على قاعدة الدين، بل على قاعدة الإنسانية والاحترام. ولهذا السبب يا ابني، أينما ذهبوا، تجد لهم مكانتهم ودورهم بين مختلف شعوب الأرض وأديانها”.
مال الشيخ إلى الأمام قليلاً، وأكمل كأنه يبوح بسر عظيم: “نحن يا ابني، نربي شواربنا لنتعلم أن نصمت، وألا نتحدث إلا بالكلمة التي في موضعها. الإمام علي، وهو سيد البلاغة، كان يقول: ‘يا ليت لي عنقاً كعنق الناقة حتى أفكر في الكلمة ألف مرة قبل أن أنطقها’. فإذا كان هذا حال سيد الحكمة، فكم يلزمنا نحن الجهال من الوقت لنتعلم الصمت والحكمة؟”.
نظر الطبيب جواد إلى الشيخ مشهور بدهشة أيقظت فيه شيئاً كان قد مات. في لحظة واحدة، قارن بين هذا البحر من الحكمة الهادئة، وبين ما قاله سالم. ومضت في رأسه فكرة كبرق خاطف: حتماً، يوجد في عالمنا العربي رجال دين كشيخ مشهور، يدعون إلى الوحدة والإنسانية. لكن أصواتهم اليوم خافتة، يطغى عليها صراخ المتعصبين.
غادر جواد مجلس الشيخ وهو يشعر بشعور غريب لم يتوقعه. لم يتغير قرار رحيله، فالوطن لم يعد مكاناً آمناً له. لكنه غادر وفي قلبه بذرة أمل. أدرك أن المعركة ليست بين الدين واللادين، بل بين فكر منغلق يقتل الحياة باسم السماء، وفكر مستنير يرى الله في خدمة الإنسان.
وربما، كما همس لنفسه وهو يلقي نظرة أخيرة على جبال السويداء، مع مرور الأيام، ولأسباب تتعلق بضرورات الحياة نفسها، ستعود كل الأديان إلى مكانها الصحيح: علاقة شخصية، سامية، وصامتة، بين الإنسان وخالقه. وعندها فقط، قد يجد أمثاله طريق العودة، لا ليدفنوا في تراب الوطن، بل ليعيشوا فوقه.

شاهد أيضاً

زلزال اليمن في قلب الاحتلال صواريخ الصبر والعزم تهدم الهيبة الزائفة

#عفاف_فيصل_صالح يافا المحتلة ها هي الصواريخ اليمنية تقتحم السماء كالسيوف المضيئة، تهز أركان الكيان الصهيوني، …