الإمام زيد بن علي عليهما السلام (2)

شاعرة الصمود / وفيه العمري

عُرف الإمام زيد في وقته ب(حليف القرآن)
قال فيه أخوه محمد الباقر عليه السلام (لقد أوتي أخي علما لدُنيا فاسألوه فإنه يعلم مالا نعلم ويقول لمن يسأله عنه ( سألتني عن رجل ملئ إيمانا وعلما من أطراف شعره إلى قدميه وهو سيد أهل بيته)

وعُرفت فيه صفات خٌلقية عظيمة حتى صار شامة أهل زمانه
قيل أنه يشبه أمير المؤمنين عليه السلام في خلقه وفصاحته وبلاغته عليهم السلام

ففي فصاحته يقول أهل الإختصاص في عصره مثل الكميت بن زيد الأسدي وهو من فحول الشعراء والفصحاء ( ما رأيت قط أبلغ من زيد بن علي وقال خالد بن صفوان ( إنتهت الفصاحة والخطابة والزهادة والعبادة من بني هاشم إلى زيد بن علي

لدرجه أن هشام بن عبدالملك أمر واليه على العراق أن يمنع أهل الكوفة من السماع له قائلا ( إن له لساناً أقطع من ظبة السيف وأحصد من شبا الأسنة وأبلغ من السحر والكهانة)

ويروى أن سيبويه كان يحتج بأشعاره عليه السلام
قال عليه السلام ( خلوت بكتاب الله عز وجل ثلاث عشرة سنة أقرؤه وأتدبره)

لذلك أغناه القرآن الكريم عن كثير من المأثورات ومنها كتاب أبيه الذي طلبه من أخيه الباقر سلام ربي عليهم جميعا

أحب الباقر أن يختبر الإمام زيد في هذا الكتاب الذي أغناه القرآن الكريم عنه فوجده لا يخرم منه حرفا
كان للإمام زيد دوره التصحيحي في مسار أمة جده وفي وضع المنهجية الصحية للتعامل مع القرآن الكريم والسنة النبوية

يصف الإمام يحيى بن زيد عبادة أبيه اليوميه فيقول ( رحم الله أبي كان أحد المتعبدين قائم ليله صائم نهاره كان يصلي في نهاره ما شاء الله فإذا جن عليه الليل نام نومة خفيفة ثم يقوم فسصلي في جوف الليل ما شاء الله ثم يقوم قائما على قدميه يدعو الله تبارك وتعالى ويتضرع له ويبكي بدموع جارية حتى يطلع القجر فإذا طلع الفجر يسجد سجده ثم يصلي الفجر ثم يجلس للدعاء والأستغفار بعد الصلاة حتى يرتفع النهعر ثم يذهب لقضاء حوائجه فإذن كان قريب الزوال أتى وجلس في مصلاه واشتغل بالتسبيح والتحميد للرب المجيد فإذا صار الزوال صلى الظهر وجلس ثم يصلي العصرثم يشتغل بالدعاء ثم يسجد سجدة فإذا غربت الشمس صلى المغرب والعشاء)

كان يقول عليه السلام ( يرعب أحدكم الشيئ يخافُ أن يحل به والله ما خرجت لغرض الدنيا ولا لجمع مالِ ولكن خرجتُ إبتغاء وجه الله والتقرب إليه فمن كان الله همته ومن الله طلبته فما يروعه شيئ إذا نزل به)

قال الإمام أبي حنيفة النعمان ( شاهدت زيد بن علي كما شاهدت أهله فما رأيت في زمنه أفقه منه ولا أعلم ولا أسرع جوابا ولا أبين قولا لقد كان منقطع القرين)

دعا الإمام زيد عليه السلام إلى الثورة على النظام الأموي ممثلا في هشام. لما اشتهر به من الجور فكان لا بد من تغيير الأوضاع الفاسدة وإحياء الشريعة وفق كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله بعد أن بذل الإمام زيد جهود سلمية كثيرة تدعوا إلى اصلاح أوضاع الأمة وإعادة الإسلام المحمدي للأمة ونشر العدالة الإجتماعية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ولكنها قُوبلت بالتعنت والإستبداد الأموي

تولى هشام بن عبدالملك الحكم بعد يزيد بن عبدالملك وقد تميز عصره بسوء العلاقة بين الحكام والمحكومين وكان بخيلا حسودا فظّاً غلظاً ظلوماً شديد القسوة بعيد الرحمة طويل اللسان وقد فشا الطاعون في أيامه حتى هلك عامة الناس وذهبت الدواب والبقر
كان يتمنى أهل الشام أن يخلفه من يرحمهم من ظلمه وسوء معالجته الإدارة التي دامت على مايزيد على عشرين عاما
إنتشرت خلالها الإساءةإلى مقدسات المسلمين وإسقاط هيبتها وكذا الإساءة إلى أهل البيت عليهم السلام حتى تعرض للسب واللعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت رسول الله والحسنان عليهم السلام على منابر الجمعة
لذا نرى سعيد بن المسيب يقول ( ما أصلي صلاة إلا دعوت الله على بني أمية

وأخطر من ذلك وذاك وضع الأحاديث بما يتناسب مع أهواء الحكام ونزواتهم الشيطانية وقد عالح الإمام زيد ذلك بأن جمع الحديث وتقده وطبق منهجية العرض على القرآن الكريم وألف أول كتاب في الحديث وهو ( المجموع الحديثي والفقهي)
في مقابل ذلك كان الأمويون في سبيل تعزيز موقفهم ومركزهم يبثون ثقافة تقديس الحكام الأمويين إلى درجة أنه وصل بهم الفجور إلى تفضيلهم على الأنبياء والرسل ومنهم محمد صلوات الله عليه وآله

وكان خالد القسري والي هشام على العراق يقول ( إن خليفة الرجل في أهله أفضل من رسوله في حاجته )

بمعنى إن الخليفة هشام بن عبدالملك أفضل من رسول الله صل الله عليه وآله
وعن جابر الجعفي أنه قال لزيد حين أراد على الخروج بكلام ذكره له محمد الباقر من صفة خروج الإمام زيد بن علي وأنه مقتول فقال الإمام زيد ( أأسكن وقد خُولف كتاب الله تعالى وتحوكم إلى الجبت والطاغوت? وذلك أني شهدتُ هشاماً ورجل عنده يسب رسول الله صلى الله عليه وآله)
وفي رواية أن الساب كان يهودياً فقلت للساب لرسول الله ( ويلك يا كافر أما إني لو تمكنت منك لاختطفت روحك وعجلتك إلى النار )

فقال له هشام بن عبدالملك ( مه عن جليسنا يا زيد) فثار الإمام زيد على هذه الأقاويل التي لا يقبلها مؤمن قائلا

فوالله لو لم يكن إلا أنا ويحيى إبني لخرجت عليه وجاهدته حتى أفنى)

أي على هشام بن عبدالملك

ومن أمثال الغطرسة والعنت والتجبر والحسد الأموي لأهل الفضل أنه عندما دخل الإمام زيد بن علي على هشام بن عبدالملك وقد جمع له هشام الشاميين سلم عليهم فتجاهله هشام ومن معه لم يردوا السلام

فقال الإمام زيد السلام عليك أيها الأحول وإنك لجدير بهذا الإسم ?

فاستشاط هشام غضبا وقال( أنت زيد المؤمل للخلافة ما أنت والخلافة وأنت إبن أمة?
فقال الإمام زيد بن علي عليهما السلام

( إن الأمهات لايقعدن بالرجال الغايات ولا أعرف أحدا أحب عندالله من نبي بعثه وهو إبن أمة وهو إسماعيل بن إبراهيم والنبوة عندالله أعظم من الخلافة ثم لم يمنع ذلك أن جعله الله تعالى أباً للعرب وأبا لخير النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلو كانت الأمهات تقصر عن حتم الغايات لم يبعثه الله نبيا وما تقصيرك برجل جده رسول الله صلى الله عليه وآله وأبوه علي بن أبي طالب)

ثم قال ( إتقِ الله يا هشام) فلم يتمالك هشام نفسه وقال في غلظة ( أو مثلك يأمر مثلي بتقوى الله)

فرد عليه الإمام زيد ( إن الله لم يرفع أحدا فوق أن يؤمر بتقوى الله

فقال هشام قائلا ( ومن أمرك أن تضع نفسك في غير موضعها وتراها فوق مكانتها فترفع على نفسك واعرف قدرك ولا تشاور سلطانك ولا تخالف على إمامك )

قال له الإمام زيد في تحدٍ ( من وضع نفسه في غير موضعها أثم بربه .. ومن رفع نفسه عن مكانها خسر نفسه ..ومن لم يعرف قدره ضل عن سبيل ربه ومن شاور سلطانه وخالف إمامه هلك ..أفتدري يا هشام من ذلك? ذلك هو من عصى ربه ..وتكبر على خالقه ..وتسمْى بإسمِ ليس له وأما الذي أمرك بتقوى الله فقد أدى إلي الله فيك النصيحة ودلّك على رشدك)

فوثب هشام من مجلسه وقال أخرجوه من مجلسي ولا يبيتن في معسكري

فقال له زيد ( لا تجدني إلا حيث تكره)

وخرج وهو يقول كلمته الشهيرة ( والله ما كره قوم قط حر السيوف إلّا ذلـوا) وفي رواية أخرى
) من استشعر حب البقاء استدثر الذل إلى الفناء)

فقال هشام لأعوانه ( ألستم تزعمون أن أهل هذا البيت قد بادوا? هيهات ذهب قوم هذا خلفُهم.

 

شاعرة الصمود / وفيه العمري

شاهد أيضاً

آهٍ على فقيه القرآن ومُقارع التكفير والطغيان: عميد المنبر الزيدي، سيدي ومولاي بدر الدين بن أمير الدين الحوثي.

طوفان الجنيد. في الذكرى السنوية لرحيل فقيد الأمة اليمنية والإسلامية، العالم الرباني، حُجّة الله في …