إبراهيم رسول
قدْ لا تكون هي المرّة الأولى, التي أكتب فيها مقالة اِنطباعيّة في أدبِ الكاتبة الجزائرية الدّكتورة أحلام مستغانمي وبالتأكيد لن تكون المرّة الأخيرة! أُتابعُ وبمواظبةٍ يوميّةٍ, ما تنشرهُ وما تُدوّنهُ على صفحاتها الشخصيّة, فأجدني أنجذبُ إلى نصوصها بصورةٍ عفويةٍ تلقائيةٍ, كأنَّها تكتبُ لي شخصيًّا, وهذا ما أسمّيه ب( أدبيّة الأدب) التي تكون صفة التأثير والعمق والتميّز من صفاتها, أي الصفة الجمالية والفنية العميقة, التي تحسب أنَّ المبدع/ المبدعةَ تكتب لكَ وحدك, وفي الحقيقةِ أنَّها تكتبُ للإنسانِ الذي ننتمي إليه جميعًا , لهذا تبدو نصوصها على قمّةٍ عاليةٍ من البلاغةِ والإنسانيّةِ والأدب.
كاتبةٌ مُتفرّدةٌ, ونصوصها تحملُ من الشاعريّةِ الشيء الكثير, لدرجةِ أنّي أقرأُ شعرًا في رواياتها, وهذا الشعرُ ليسَ شعرًا عاديًّا, بلْ هو من الشّعرِ العالي والراقيّ, فأسجّلُ شهادة إعجابٍ واِمتنانٍ لهذا القلم الذي يُدهشني دومًا, والدّهشةُ والإثارةُ قدْ ولدتِ الإبداع عندي لأقرأ وأكتب, وحينَ أقرأ لها, أجدني غارقًا في جوّانيّات النّفس الإنسانيّة, أحاولُ أنْ أتعمّقَ أكثر, لأنَّ ميزةَ الكاتبة هي العُمق البعيد والإبحار في مسافاتٍ بعيدةٍ نائية, فالسطحُ ميزة البسطاء وأحلام كبيرةٌ بمعناها, لكن يبقى السؤال الأكثر دهشة من الإعجابِ نفسه, لماذا أحلام مستغانمي دونَ غيرها؟ لهذا السؤال أجوبة متعددة لا جوابًا واحدًا, وهذا التعددُ في الأجوبةِ لأنَّني حينَ أريد الإجابة أحتاج إلى هذا الغوص العميق في جوّانياتِ عالمها الإنسانيّ الواسع, لهذا أبدأ بسؤالي لنفسي لماذا هذه الكاتبة, أو لماذا الإصرار على هذه الكاتبة؟ فأبدأ بالبحثِ عن إجابةٍ تُرضي فضول المعرفة عندي, لكني لا أنتهي, فأنا مُعجبٌ بها لا لسببٍ إلّا لأنَّها قدْ لامستْ فيَّ أشياءَ حتَّى تفاعلتُ معها هذا التفاعل الإيجابيّ, كثيرةٌ هي المُدوّناتُ الاجتماعية التي تُنشر لكن ما أندر ما يمكثُ فينا من هذه الكتابات, أتذكر مقولةً لها تقول فيها: “كلّما هممتُ بمغادرتك تعثرتُ بك”. حاولتُ أنْ أُحلِلَ هذه الجملة في مُسوّدة, لأنتهي من فورةِ الإعجاب هذه, لكني تجاوزت عشر صفحاتٍ من التحليلِ والتفسيرِ والتأويلِ وحينَ أردتُ أنْ أضع ما كتبتهُ على الورق وأنقلهُ إلى شاشةِ الحاسوبِ, بدتِ المسوّدة مُبعثرة لأنَّها بحاجةٍ إلى مزيدِ تأويلٍ ومزيد تأمّل, فأخذتُ على نفسي ألّا أشرحَ ولا ألجأ إلى التأويلِ, سأكتفي بأني أعيشُ نشوةَ الدّهشة التي تُحْدِثُها بي نِصوصها, ليسَ غريبًا أنْ يتركَ الناقد تحليله للنصوص ويكتفي بأنْ يعيشَ نشوة الدّهشة التي أصابتهُ حينَ قرأَ النّص الذي أعجبهُ, بلْ قررتُ حينَ يعجبني النّص أيّ نّص لها ، لا أكتب فيه نقدًا ولا شرحًا ولا تأويلًا ولا أريد أنْ أتباهى بما أحملهُ من ثقافةٍ نقديةٍ في نقدِ النصوصِ البليغة, فوجدتني أعيشُ لذّةً لمْ أشعرْ بها من قبل, لهذا قررتُ أنْ أبقى ذلكَ القارئ الذي أدّهشه النّص, وعاشَ جمال هذه الدّهشة. قرأتُ أعمالها كلّها, بلْ لمْ أكتفِ من ذلك حتَّى صرتُ أقرأ كلّ ما أعثر عليه من مقالات وبحوث تبحث في عالمها الإبداعيّ, وحينَ تابعتُ من كُتبَ فيها بهذه السّعةِ الواسعة, جاءني السؤال الذي كثيرًا ما يأتيني ولا أجد له إجابة مُقنعة لي : لماذا هذا الاهتمام بأحلام ؟
فأتركُ القراءةَ والكتابةَ وأصغي إلى نفسي, كنوعٍ من محاولةِ إبداء رأيٍّ في هذه أل ( لماذا) التي تأتيني كلّ حين, فأجدني لا أعرفُ جوابًا أيضًا, فأرجعُ الكرّة مرّتينِ وأكثر, فأقولُ: أنّي قارئ معجب وكفى، فالكاتبةُ قدْ حرّكتِ الجمال في نفسي، وأيقظت الحوّاس من فوضاها الحالمة، لهذا أنا مُنجذبٌ لذاتي التي حرّكتها ولامستها، وهنا يكمنُ سرّ إعجابي بهذه الكاتبة المُبدعة.
هذه الكاتبةٌ المُدهشة, الرائعةُ العميقةُ, أخذتني إلى ملكوتها الكتابيّ, كأنَّها اِستفزّت بي هذه النزعة الإنسانيّة العميقة التي تُلامس القُرّاء الذين يكثرونَ من قراءة الكُتب, فيتأثرونَ بمن يؤثر فيهم ذلك الأثر البليغ, فأنتهي إلى شيءٍ ضبابيٍ مشوّشٍ أيضًا, ومن دونِ إجابة أيضًا, ماذا يُميّز هذه عن غيرها, فأنا سمعتُ الكثير من القرّاءِ والناقدِ الذي أعرفهم, قدْ وضعوا لي قائمة كبيرة في الكاتبات المهمات اللواتي تفوقُ الواحدة منهن أحلام مستغانمي, لكني حينَ أقرأ لتلك الكاتبات, أرجعُ إلى كاتبتي بأكثر من قبل, وأجدني أتعصّب لها أكثر, اليوم قررتُ أنْ أترك أل ( لماذا) وأبقى كما أنا, قارئٌ نهمٌ مواظبٌ لكُلِّ أعمالها, وتبقى هي كاتبتي التي أميلُ إلى قراءةِ كُلّ جديدٍ لها, فوجدتني قدْ اِقتنعتُ أخيرًا فيما انتهيتُ له عبرَ هذه النتيجة التي خلصتُ إليها, لهذا سأحترم كلّ الآراء ولكني تبقى هذه الكاتبة أقربهنَّ إلى عقلي ونفسي وذوقي, وتبقى هذه المميزة هي التي أدهشتني أكثر من غيرها.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
