ناجي علي أمهز
البداية حتمًا: المعركة اليوم بين دروز سوريا وما يُقال عنهم “البدو السوريين” ليست معركة بسبب خلاف على رعاية الأغنام، أو لأن الماعز أكلت زرع بدوي. المعركة هي مجتمعية، دينية، سياسية، وإن حاول البعض تسخيفها تحت مقولة: “العشائر تقاتل الدروز”.
كان دروز السويداء يضغطون على إسرائيل من أجل معالجة وتطبيب جراح مقاتلي “جبهة النصرة”، كما أن الدعم الذي قدمه الدروز في القتال وعلى المستويات السياسية والإعلامية والمالية للجبهة ضد نظام الأسد كان بلا حدود.
وما قام به فيصل القاسم، وهو درزي، على مدار عقد من الزمن من تهجُّم وتحريض للرأي العام العربي عامةً، والسوري خاصةً، والدرزي تحديداً، على كل أعداء “جبهة النصرة” هو أيضاً أمر لا يمكن حصر تأثيره. نحن نتحدث عن شخص قدَّم أكثر من ألف مقابلة ومقال دافع فيهم عن “جبهة النصرة”.
في الختام، ماذا كانت النتيجة؟ بعد وصول “جبهة النصرة” الى الحكم في سوريا، كان أول فريق تم إقصاؤه وتهميشه ومحاربته ومحاولة إذلاله هم أهالي السويداء أنفسهم، الذين قدموا كل ما يملكون من أجل وصول النصرة إلى السلطة.
بل هناك خطورة لا يلتفت إليها أحد، فمنذ وصول ما يمكن تسميته “حكومة الأمر الواقع” الدينية في سوريا، وخلال سبعة أشهر فقط، سقط للدروز ما يقارب 700 شخص بين قتيل وجريح، إضافة إلى أكثر من 100 اشتباك مسلح على حدود السويداء ومع عشائر المنطقة، فضلاً عن ثلاث معارك كبرى، منها التي تجري اليوم.
عندما نتحدث عن هذا العدد من القتلى والجرحى خلال 200 يوم فقط، فهذا يعني أنه يومياً يسقط ثلاثة أشخاص بين قتيل وجريح من الطائفة الدرزية. وعندما نتحدث عن هذا العدد الكبير من الاعتداءات، أي مئة اشتباك وثلاث معارك كبرى خلال مئتي يوم فقط، فهذا يعني أن الدروز يعيشون فعلياً حالة إبادة وحرباً كبرى ضدهم.
السؤال الأول: أين فيصل القاسم مما يجري لعشيرته مباشرة؟ أم أنه فقد القدرة على قراءة الأرقام والتحليل الاستراتيجي؟
السؤال الثاني: إذا كان هذا هو ما يعانيه الدرزي السوري الذي قدَّم كل شيء لوصول “جبهة النصرة” إلى الحكم، فلم يعد أمامه إلا المطالبة بالحكم الذاتي، لأنه مهما فعل وقدَّم، سيعيش في النهاية هذا الاضطراب الاجتماعي والسياسي في دولة دينية لا يمكن أن تعترف به أو بغيره من الأقليات.
مما يعني أن دروز سوريا قد أصبحوا فعلاً خارج حسابات سوريا المستقبلية. حتى لو تم تطييب خاطرهم اليوم، سيُقتلون غداً، ثم يتم تطييب خاطرهم مجدداً، وهكذا يستمر الأمر إلى ما لا نهاية، مما يصيب الطائفة الدرزية بحالة انهيار اجتماعي على كافة المستويات الاقتصادية والتعليمية. إضافة إلى أنهم اليوم منبوذون في سوريا، رغم محاولة أحدهم الخروج بتصريح ليس لإرضاء دروز سوريا، بل لتطمينات خارجية.
اليوم، هناك آلاف التغريدات والمنشورات من رجال دين وسياسيين، سوريين وغير سوريين، يصنفون الدروز بأنهم “كفار”. وحتى السوريون الذين يريدون أن يتميزوا عن الخطاب الديني، يصنفون الدروز بأنهم “خونة وعملاء لإسرائيل”.
الخلاصة:
لا يمكن لدروز سوريا الاستمرار أو البقاء أو حتى العيش في دولة دينية مثل سوريا المستقبلية، لأن الدروز لا يسعون إلى التبشير بدينهم، وبالمقابل فإن الدولة الإسلامية السُّنية لا تقوم إلا على تشريعاتها الدينية، ومنها أن غير المسلم إما أن يدفع الجزية أو يُشهر إسلامه. هذا الأمر (الجزية وإشهار الإسلام) هو في الحالات الطبيعية جداً وعندما تكون الدولة الدينية مستقرة. أما في حالات النزاع والحروب، فإن وضع غير المسلمين يكون مختلفاً تماماً.
والمشكلة أنه حتى لو أراد الدرزي اعتناق الإسلام السُّني والتخلي عن عقيدته الدرزية، لن يكون أمامه خيار مرة أخرى للخروج من الإسلام والعودة إلى دينه، لأنه بحسب رأي جمهور الفقهاء في المذاهب الفقهية الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة)، فإن عقوبة المرتد البالغ العاقل عن الإسلام الذي لم يتب هي القتل.
يعني في سوريا الإسلامية المتشددة، إن كنت خارج الدين الإسلامي فأنت مهدد بالقتل او التكفير مما يبيح دمك او يسفه دورك ومكانتك في الحياة الاجتماعية مما يعني قتلك معنويا، وإن كنت داخل الإسلام وقررت الانتقال إلى دين آخر أو ربما أن تصبح لادينياً، فإن عقوبتك أيضاً هي القتل او التكفير. بصريح العبارة، في سوريا الإسلامية المتشددة، لا مكان للمسيحيين ولا العلويين ولا الشيعة ولا الدروز والإسماعيليين وغيرهم من الأقليات. هذا هو دستور سوريا ونظامها الجديد.
وهناك أمر آخر معروف تاريخياً وعلمياً، وهو أنه لا يوجد عرق عربي أنقى من عرق أبناء الطائفة الدرزية، لأنهم بنسبة 99% لم يختلطوا أو يتناسلوا أو يتزوجوا من خارج طائفتهم الدرزية العربية.
يعني أنه لا يوجد اي عربي يقدر ان يزايد على عروبة الدروز، كما لا يوجد اي راي في العالم يستطيع ان يقول بان حرب الدروز دينية وطائفية، لان الدرزي لا يقاتل أحداً من أجل الدين، فمهما كانت ديانتك لا علاقة له بك، لأنه أصلاً لا يدعو أحداً لاعتناق دينه، ولا يقاتل أحداً لأنه ضد ديانته. وهذا الأمر يجعل من المستحيل على الدروز العيش في كنف أي دولة دينية. لذلك، لم يعد أمامهم إلا الانفصال عن سوريا الدينية، أو أن تعود سوريا دولة علمانية تتسع لكل أبنائها.
الختام، الدروز اليوم أمام مفصل تاريخي: إما أن يعلنوا دولتهم، وإما أن يغادروا سوريا للابد.
واعتقد اليوم ان كل اقلية خسرت سورية المدنية، هي تعيش الندم والى ما وصلت اليه الامور في سوريا وربما غدا في لبنان وبعدها العراق.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
