عودة التكايا بدور اجتماعي

إقبال عبد الرحيم 

منذ اندلاع الحرب في السودان، تعطّلت مؤسسات الدولة وغابت الخدمات الأساسية، من الغذاء إلى الدواء، ومن الماء إلى الكهرباء. في المقابل، نهضت تكايا ومبادرات شبابية وشعبية، بعضها عفوي، وبعضها منظم، لتشكل شبكة أمان بديلة للمواطن، تستمد قوتها من التراث الروحي والتضامن الأهلي العميق في المجتمع السوداني.
في غياب الدولة وانهيار الخدمات الأساسية، تتقدّم المبادرات الشعبية والتكايا لسد الفراغ الإنساني والاجتماعي، لتعيد للمجتمع بعضًا من تماسكه. وبينما تتساقط المؤسسات الرسمية، تنهض هذه الكيانات الشعبية كأوتاد للخيمة السودانية في زمن العاصفة.
التكايا، التي عُرفت قديمًا كمراكز للذكر وإطعام الطعام، عادت بقوة خلال الحرب كمطابخ مفتوحة للفقراء والنازحين. لم تعد مكانًا للصفوة الصوفية أو الحيران، بل باتت مأوى للناجين من الجوع والشتات. في المدن التي ما زالت تقاوم الخراب، أو في القرى التي استقبلت المهجّرين، تحوّلت التكايا إلى موائد تضامن، يطبخ فيها الجميع للجميع.
أما المبادرات الشبابية، فقد قدّمت درسًا في التنظيم الذاتي، من توزيع المياه والدواء، إلى إطلاق منصّات لتوثيق المفقودين أو تقديم المساعدة النفسية. لم تنتظر هذه المبادرات تصريحًا من جهة، ولا دعمًا من سلطة، بل اعتمدت على شبكات الثقة المجتمعية، وروح الفزعة المتجذّرة في الوجدان السوداني.
أما في الخارج، فقد تمدد التضامن على اتساع الجغرافيا. في القاهرة، نيروبي، أديس أبابا، كمبالا، الرياض، وجدة، نظم السودانيون أنفسهم في مجموعات طوعية. مبادرات شبابية وأسرية جمعت التبرعات،وسدت الحوجات ومازالت متواصلة. إنه مشهد عابر للحدود، يعكس معدن السودانيين حين تحاصرهم النكبة.
في الداخل، التكايا تطبخ وتفتح أبوابها.
في الخارج، الجاليات تُرسل وتستقبل وتحتضن.
والجامع بينهما: لا أحد ينتظر الدولة. فالدولة تعبت. والناس لا يملّون.
في زمن الحرب، تصبح التكايا والمبادرات أكثر من مجرد أعمال خيرية؛ إنها فعل مقاومة ضد التفكك، وشكل من أشكال الصمود المدني، حين تُخرس البنادق صوت الدولة، ويعلو صوت الضمير الشعبي.

شاهد أيضاً

بيان العهد الجديد: من غبار الدمار إلى قيامة الأمة

بقلم: المستشار فيصل الخليفي لم يعد يملك الوقت ترف الانتظار، ولم يعد لدى الشعوب فائض …