اليمن يرسم معادلة الردع الجديدة: من جراح غزة إلى قلب الكيان

بشير ربيع الصانع

الكيان المؤقت في مأزق عميق، مأزق تتساقط فيه حساباته الأمنية، وتتلاشى فيه أوهامه العسكرية، وقد بدا ذلك واضحًا حين بادر بحملة إعلامية تمهيدًا لعدوانٍ جديد على اليمن، بعد أن خرج من مغامرته ضد إيران صفر اليدين، لا مجدٌ أُحرز، ولا هيبةٌ أُثبتت. لقد حسب أن اليمن سيكون ساحة بديلة لتعويض الفشل، فإذا به يصطدم بواقع مختلف، واقعٍ لم يعهده، ولم يُحسن تقديره.

ما إن بدأ بعدوانه على منشآت مدنية في اليمن، حتى جاءه الرد بعد أربع ساعات فقط، وردٌ لم يكن تقليديًّا ولا روتينيًّا، بل كان تصعيدًا عسكريًّا من النوع الثقيل، وفيه من الرسائل أكثر مما فيه من الصواريخ. فقد طالت الضربات مطار اللد، وميناء أسدود، ومحطة الكهرباء في عسقلان، وميناء أم الرشراش، عبر عملية مركبة نفذتها إحدى عشرة ضربة بين صواريخ دقيقة وطائرات مسيّرة، ولأول مرة يتعرض الكيان لهذا الكم وهذا النمط من العمليات دفعةً واحدة من جبهة اليمن، حتى بات الحديث عنها ملء وسائل الإعلام، ومثار تحليل كل العقول العسكرية.

لم يكن الرد مفاجئًا لمن يعرف اليمن، لكنه كان صادمًا لمن يستخف بقدرة هذا الشعب وصبره وإيمانه. الكيان ظن أن تصعيده سيجبر اليمنيين على التراجع، على إعادة النظر في موقفهم المشرّف من غزة، لكنه لم يُدرك أن نصرة المستضعفين قد تحولت عند اليمانيين إلى عبادة خالصة، يتقربون بها إلى الله كما يتقربون بالصلاة والصيام، خاصة حين يكون الظالم هو هذا الكيان المؤقت الغاصب.

وفي سياق معركة الحصار، أعلنت القوات المسلحة اليمنية استهداف سفينة الشحن “ماجيك سيز” بعد مخالفتها لقرار الحظر المفروض على ميناء حيفا وقد تم إغراقها بفضل الله، مؤكدة أن هذه العملية ما هي إلا بداية لمسار جديد من الردع والتصعيد. فالأمر لم يعد مقتصرًا على الدفاع أو الاستجابة للعدوان، بل انتقل إلى مرحلة الفعل الاستراتيجي الذي يسبق الحدث ويضبط الإيقاع الميداني بيد يمنية خالصة.

ومن هنا تنبثق تساؤلات عميقة، تتجاوز الظاهر إلى جوهر ما يحدث: هل ما رأيناه من تصعيد يشي بأن المخزون اليمني من الصواريخ والطائرات المسيّرة أضخم مما يتخيله العدو؟ وهل نحن أمام عقيدة عسكرية جديدة تُبنى على مفاجآت غير مسبوقة؟ ثم هل يستطيع الكيان أن يتحمل هذا النوع من الضربات، وهذا الإيقاع المتصاعد الذي لا يهدأ؟ إن الإجابات ليست بعيدة، ويكفي أن نراقب كيف بات العدو يقف مرتبكًا أمام كل تصريح يمني، كيف يحسب لكل بيان ألف حساب، وهو الذي اعتاد أن يتحدث وحده ويفرض كلمته بالقوة.

نحن أمام مشهد جديد، سيناريو لم يسبق له مثيل في صراعات الأمة مع الكيان. فقد قررت القيادة اليمنية، ووراءها شعبها الحر وجيشها الصابر، أن لا يخذلوا غزة، وأن يواصلوا مسار الإسناد حتى يتوقف العدوان وينتهي الحصار. لم يكن ذلك لأن لديهم فائضًا من العتاد العسكري، بل لأنهم تجرعوا مرارات الخذلان من قبل، واستشعروا المسؤولية أمام الله وأمام قضايا الأمة الكبرى. هذه الحرب بالنسبة لهم ليست خيارًا ظرفيًا، بل موقف أخلاقي وعقائدي مقدس.

ولقد آن للعالم أن يفيق من سُباته، أن يتوقف عن التفرج والخذلان، لأن ما يجري اليوم لم يعد مجرد ردات فعل، بل مشهد يتشكّل من إرادة أمة تصحو من تحت الركام، وتعيد كتابة تاريخ المواجهة مع الكيان. إن الله قد أذن في هذه الأمة أن ينهض منها رجال لا يبيعون المواقف، ولا يخافون في الله لومة لائم، وأن يُطهِّر الأرض من دنس الظالمين، ويوصل المستضعفين إلى شاطئ الحرية والكرامة.

إن اليمن، بما قدّم ويقدّم، لا يحارب من أجل التفاخر، بل يقاتل من أجل عهدٍ عقده مع الله، أن لا يترك المظلوم وحده، وأن لا يُسلم قضايا الأمة لتجار السياسة ومصاصي الدماء. وهنا يكمن الفرق الجوهري، فبينما يبحث الكيان عن الأمن بالسلاح، يبحث اليمن عن النصر بالإيمان قبل السلاح، ويؤمن أن زمن الطغاة إلى زوال، وأن الشمس ستشرق قريبًا من بين أنقاض غزة، ومن أيدي رجالٍ في اليمن لا يخافون إلا الله.

ولله عاقبة الأمور

شاهد أيضاً

بيان العهد الجديد: من غبار الدمار إلى قيامة الأمة

بقلم: المستشار فيصل الخليفي لم يعد يملك الوقت ترف الانتظار، ولم يعد لدى الشعوب فائض …