لا تقولوا “هؤلاء شيعة”… بل قولوا “هؤلاء بشرٌ ذاقوا من الموت ما لم تذقه شعوبٌ بأكملها”

 

خالد عياد

في العاشر من محرّم، لا تمرّ المسيرة كما تمرّ الأيام…
إنها لاجتماع الحزن مع الذاكرة، ولحظة تنفجر فيها القلوب بما كتمته سنين الحرب والخذلان.

– طفلةٌ تقبض على يد والدها كأنّها آخر ما تبقّى لها من هذا العالم.

– طفلةٌ أخرى تُوزّع الماء على الناس… لا تملك سواه، لكنّها تُصرّ على العطاء، لأنّها من بيتٍ علّمها أن الكرم يكون حتى في قعر الوجع.

– امرأةٌ تنظر من شرفة بيتٍ تصدّع من الحرب، عيناها لا تسأل، بل تُحاكم.

ُتحاكم من رأى دمنا ولم يرفّ له جفن، من سمع وجعنا واختار الصمت، من مرّ بجوارنا وقال في قلبه: “ليسوا من طائفتنا”.

– مقعدٌ أمام بيتٍ مهدّم… لم يكن فارغًا دائمًا. هنا كان رجلٌ يحبّ، يضحك، يقاتل من أجل حياةٍ كريمة، واليوم لم يبقَ من حلمه سوى غبارٌ واسمٌ على حجر.

– وها هو شيخٌ سُنّي بين الجموع، لا يسأل عن خلاف المذاهب، بل يهتف للحسين، لأن الحسين ليس مذهبًا، بل مظلومية، والحزن لا دين له.

– ونساءٌ يحملن صور أبنائهن على جباههن كأنّها رايات وطنٍ مفقود. لا بكاءهن ينقطع، ولا أملهن يموت، ولا حنينهن يتقاعد.

أما أنا…
فحين كنت أوثّق هذه المشاهد بعدستي، لم أكن أنظر كصحفي أو مصوّر… كنت أنظر كإنسان.
حزنت… اختنقت… ودمعت عيناي أكثر من مرّة. ولو كانت كاميرتي تملك قلبًا… لبكت.

ولو كانت تحمل روحًا… لركعت أمام هذا الكم من الصبر والوجع.

– فأيّ قلوب هذه التي تشمَت؟

– أيّ ضمير هذا الذي يرى المسيرة ويسخر؟

– أيّ إنسانٍ هو من ينظر إلى هذا المشهد ولا يدمع؟

يا من تقول: “لا أحبّ الشيعة”.
لا يُطلب منك أن تحبّهم، بل أن تكفّ أذاك عنهم، أن لا تزيد على مصيبتهم بسُمّ لسانك، ولا ترقص فوق رماد بيوتهم.

في كلّ بيتٍ من بيوت الضاحية، شهيد. في كلّ غرفة، صورة.
في كلّ قلب، فجوة لا يسدّها الزمن. وفي كلّ أمّ، نحيبٌ لا يسمعه إلا من كان حيّ القلب.

فكفّوا شركم، إن لم تُردوا أن تبسطوا خيرًا. واحفظوا لأنفسكم ما تظنونه “رأيًا”، فهو في قاموس الموجوعين… طعنة.

العاشر من محرّم ليس يومًا طائفيًّا… بل يوم تذكير بأنّ القهر مشترك، وأنّ الدم حين يسيل… لا يسأل عن طائفة صاحبه.
*كونوا بشرًا… فقط بشرًا. فذلك وحده، يكفي.*.

شاهد أيضاً

بيان العهد الجديد: من غبار الدمار إلى قيامة الأمة

بقلم: المستشار فيصل الخليفي لم يعد يملك الوقت ترف الانتظار، ولم يعد لدى الشعوب فائض …