وجع الإغتراب وألم الإشتياق…!

بقلم: أمين السكافي

بئسًا لبلد لا يحتضن مواطنيه، ولا يُقدّم لهم فرص عمل، أو بدايات لحياة كريمة. بلدٌ يُجبر أبناءه على الهجرة، لا حبًّا في السفر، بل هربًا من واقع يزداد سوءًا يومًا بعد يوم.

الأسباب؟ كثيرة.
الوضع الأمني المتردّي، الفساد الإداري المُستشري، ضعف الاقتصاد، تفشّي المحسوبيات، والمذهبية القاتلة للكفاءات، ناهيك عن الديون المتراكمة على وطن بحجم محافظة من بلدان أخرى، لكن دينه العام يُضاهي تلك الدول حجمًا وثقلًا، وقد قفز منذ سنوات عن حاجز المئة مليار دولار!

لا أحد يعلم كيف، ولا متى، ولا أين ذهبت هذه الأموال، بل الحقيقة المؤلمة الوحيدة التي نعرفها: أن كل مواطن في هذا البلد مديون منذ ولادته وحتى وفاته.

ولا يُمكن لأحد أن يُنكر أن لبنان من أجمل بلدان العالم؛ بطبيعته، بشعبه الطيّب المُحب، المرحّب بالضيف والغريب. ولولا لعنة السياسة والمذهبية، لظلّ اللبنانيون إخوةً على اختلاف طوائفهم، يجمَعُهم الوطن، لا يُفرّقهم الانتماء الضيّق.

مناخ لبنان الرائع، شاطئه الممتدّ على البحر المتوسّط، جباله الخضراء التي تفيض بالأنهار والينابيع، مائدته الغنيّة المميّزة… كلّها تجعل من هذا البلد قطعةً من جنّة الله على الأرض، لولا مشاكله، التي تحتاج لمعجزةٍ يوميّة لحلّها، ولولا تقوقع الطوائف داخل بيئاتها، بظنّهم أن هذا هو درع الحماية من أبناء بلدهم!

كلما مررتُ أمام مطار رفيق الحريري الدولي، وأنا في طريقي إلى العاصمة لقضاء أمر ما، وأشاهد الطائرات تقلع وأخرى تهبط، يأخذني الحنين…
يأخذني الشوق والذكرى، إلى أولادي المغتربين في بلاد أخرى، يسعون وراء تحصيل العلم، ومن بعده، فرصة عمل لم يستطع وطنهم أن يُوفّرها لهم.

كأنّ قدر اللبناني أن يُنهي مراحل دراسته، فجامعته، ثم يُرمى خارج الحدود، باحثًا عن وظيفة تحفظ كرامته، وتُعينه على بناء مستقبله.

ولكن، كما لكل شيء ثمن، فإن ثمن هذا القرار هو الانسلاخ عن الأهل والوطن.

الفُراق… هو الغصّة الأكبر بين المغتربين وعائلاتهم. صحيح أن للمغترب غصّات عديدة، من التعود على الوحدة في بلاد جديدة، ونمط حياة مختلف، إلى كيفيّة تدبير شؤون حياته بنفسه. لكن الألم الأعظم هو البعد عن الأحبّة.

تترك خلفك كل شيء: الأهل، الإخوة، الأصدقاء، الحياة التي اعتدت عليها سنوات طوال، وتُصعد الطائرة التي تأخذك إلى المجهول. تبدأ كتابة قصّتك من جديد، في وطن جديد، بين أناس جدد، بعادات وأعراف وقوانين جديدة، عليك احترامها والتأقلم معها. كأنّك تولد من جديد، مع فرق وحيد: أنك تحمل في داخلك كل تجارب الماضي، ووجع الوداع.

لا أحد يستطيع أن يتخيّل شعور الأبوين عندما تبدأ فكرة السفر تُطرح في المنزل لأحد الأبناء. في البداية، مجرّد كلام عابر، يتردّد بين الحين والآخر، إلى أن يُصبح واقعًا: توضيب الحقائب، الاستعداد للمطار، إقلاع الطائرة… لحظات تختصر وجع سنوات، وتُعلن بداية فُراغ قاتل في قلب المنزل.

رغم أعمارهم، يبقى أولادنا أطفالًا في أعيننا، مهما كبروا، ومهما عَلَت شؤونهم. وحين يُغادرون أرض الوطن، تشعر وكأنّ روحك تُنتزع من بين ضلوعك، وكأنّك ورقة شجر في مهبّ ريح خريفيّة.

وهنا، تبدأ درب الجلجلة والعذاب…
يُطلب منك كأبٍ أو كأمّ أمران:

أولًا: أن تُخفي ألمك وحنينك، وتدفن اشتياقك في قلبك.
ثانيًا: أن تُشجّعهم، أن تُقوّي عزيمتهم، ألا تُظهِر لهم ضعفك أو دموعك، بل تُوهمهم أنّ كل شيء بخير، وأنّ الحياة تمضي بأحسن حال.

أما أنت، فتبقى رهينة شاشة الهاتف، تُراقب صورهم، تسمع أصواتهم، تتظاهر بالقوّة، بينما قلبك يحترق شوقًا، وتتساءل كل لحظة: هل يأكلون جيّدًا؟ هل ينامون مرتاحين؟ هل أحوالهم طيّبة؟ هل يحترمهم أهل تلك البلاد؟

وتعود لتطرح السؤال الأبدي: لماذا لا يستطيع أولادنا أن يبنوا مستقبلهم هنا، أمام أعيننا، في بلدهم؟ لماذا كُتب علينا وجع الفراق، وألم الاشتياق؟

وفي النهاية، لا تجد جوابًا سوى أن تُعيد تكرار اللازمة نفسها، بكل مرارة:
“تبًّا لبلد لا يستطيع تأمين مستقبل لأبنائه، ويُجبرهم على التغرّب في بلاد الله الواسعة ليحفظوا كرامتهم”.

شاهد أيضاً

بيان العهد الجديد: من غبار الدمار إلى قيامة الأمة

بقلم: المستشار فيصل الخليفي لم يعد يملك الوقت ترف الانتظار، ولم يعد لدى الشعوب فائض …