نابو» يستدعي ذاكرة الشعوب: المَجد لمن قال «لا»!

في متحف «نابو»، الواقع عند التقاء البحر بالصخر، في تلك البقعة الساحلية من الشمال اللبناني، حيث تصمت الأمواج قليلاً لتفسح المجال لذاكرة الشعوب أن تتكلم، يُفتتح معرض استثنائي في مادته

سامي حداد
سامي حداد 

 

في متحف «نابو»، الواقع عند التقاء البحر بالصخر، في تلك البقعة الساحلية من الشمال اللبناني، حيث تصمت الأمواج قليلاً لتفسح المجال لذاكرة الشعوب أن تتكلم، يُفتتح معرض استثنائي في مادته، متعدّد الأصوات في لغته، ومثير بعنوانه اللافت: «شعوب ضد الحروب، القنابل، والحكومات».

عنوان يحمل نبرة عالية، شبه هتافية، تُشبه عناوين التظاهرات أكثر ممّا تُشبه أسماء المعارض الفنية. هذا العنوان يبدو كأنه يُحاول أن يُلخّص قرناً من الغضب والمعاناة البشرية، ومئة وستين ملصقاً فنياً سياسياً داخل المعرض، وعشرات التجارب الثورية من أنحاء العالم، في ثلاث كلمات مركزية فقط.

هل يمكن لهذا العنوان أن يُنصف كل هذا التاريخ المضطرب أو أن يحتضن تعقيد التجارب التي جمعت ما بين الحربين العالميتين، والثورة الإيرانية، مروراً بأوروبا نحو الانتفاضات الفلسطينية، ومقاومات أميركا اللاتينية، وقضايا لبنان المتشابكة؟

الرفض ركيزة أساسية

لعلّ الركيزة الفلسفية لهذا المعرض الممتد حتى 31 آب (أغسطس) هي الرفض، لا كفعل سياسي فقط، بل كغريزة بشرية أولى. منذ اللحظة التي يُنتزع فيها الإنسان من سكينته، تتشكّل أولى صرخاته: لا.

تلك الـ«لا» التي تسبق الكلمات، هي ما تجسّده الملصقات المعروضة على جدران «نابو»: من انتفاضات الفلاحين ضد الإقطاع، إلى ثورات الطلاب ضد النظم العسكرية، ومن الملصقات المناهضة للحرب العالمية إلى تلك الرافضة للسلاح النووي مروراً بالملصقات المناهصة للإمبريالية والاستعمار وصولاً إلى صرخة «لا للحرب على غزة» ومنها إلى العدوان الأخير على لبنان، يتكرّر المشهد: الشعوب لا تسكت طويلاً.

الملصق الغرافيكي: من دعاية السلطة إلى بيان الشعوب

دائماً ما كان الملصق الغرافيكي أداة أساسية في صناعة الرأي العام، تحمله الجدران في الأزمنة الصاخبة، وتختصر فيه الشعوب صرخاتها في اللحظات المصيرية. في هذا المعرض، الذي يستعرض أكثر من 160 ملصقاً من حقب وسياقات سياسية مختلفة، نرى كيف تطوّر هذا الفن من أداة سلطوية دعائية إلى وسيلة مقاومة بصريّة، بل إلى شكل من أشكال «الكتابة الشعبية للتاريخ».

في فلسطين ولبنان، كان الملصق انعكاساً مباشراً للهوية الوطنية المهددة

ما يميّز المعرض ليس فقط حجم المواد المعروضة، بل قدرته على جمع مراحل سياسية وجغرافية متباعدة ضمن شريط زمني بصري يوضح كيف تغيّرت وظيفة الملصق، وتبدّل شكله، لغته، رموزه، بل حتى تقنياته، ليصبح في النهاية سلاحاً ثقافياً يناهض السردية الرسمية ويعبّر عن وعي جماعي مقاوم.

البروباغندا المؤسسية (1914–1945)

في بداية القرن العشرين، وتحديداً في الحربين العالميتين الأولى والثانية، كان الملصق أداة مركزية في يد الدول العظمى. في الحرب العالمية الأولى (1914–1918)، وظّفت الدول ملصقات دعائية تحث المواطنين على التطوّع، تقنع النساء بدعم الجبهة، وتؤطّر صورة «العدو» في أبسط الأشكال وأكثرها تأثيراً.

كانت الأساليب الفنية واقعية صارمة، الألوان زاهية وصريحة (الأحمر، الأزرق، الأبيض)، والخطوط غليظة مباشرة.

تقنياً، كانت الطباعة تعتمد على الليتوغرافيا، ما سمح بإنتاج كميات ضخمة. كان الملصق يُصمم ليُقنع لا ليُناقش، ليأمر لا ليتأمل.

ثم في الحرب العالمية الثانية (1939–1945)، تطوّر هذا النموذج ليشمل العنصر النفسي، حيث غيّرت النازية والسوفيات وحتى الحلفاء إستراتيجيات الملصق لتناسب آليات الحرب النفسية. في هذه المرحلة، لعب الشكل البصري دوراً في تسليح الخيال الشعبي.

مع بداية الخمسينيات، ظهرت بذور التمرد البصري. لكن الذروة جاءت في أيار (مايو) 1968 في فرنسا، حين تحوّلت جدران باريس إلى صحف شعبية، امتلأت بملصقات طُبعت يدوياً باستخدام تقنية الـطباعة الحريرية.

في معهد الفنون الجميلة في باريس، احتل الطلاب الورش، وبدأوا بطباعة الشعارات والرسومات على الورق الكرتوني. كان لكلّ ملصق وظيفة مباشرة: نقل الغضب، التحريض، إعلان العصيان.

تميزت هذه المرحلة بأسلوب بصري بسيط، ذي ألوان قليلة جداً (غالباً الأسود والأحمر) وخطّ يدوي عفوي. لم تعد جودة الطباعة هي المهمة، بل قوة الرسالة، وسرعة الانتشار.

ملصقات هذه الحقبة، التي يقدِّم المعرض بعض نماذجها، تُعدّ اليوم نقطة التحوّل من الملصق الرسمي إلى الملصق الجماهيري المقاوِم.

الجنوب العالمي: المقاومة بالرمز والهوية (1960 ــ 1980)

المُلصق هنا لم يعد يحاكي الواقع بل يؤطِر الحدث، مستنداً إلى رموز دينية وثورية عميقة الجذور. الألوان الداكنة (الأسود، الأخضر، الأحمر) أصبحت لغة مشتركة للبصيرة والدم والشهادة. في فلسطين ولبنان، كان الملصق انعكاساً مباشراً للهوية الوطنية المهددة، حيث ظهرت فيه رموز مثل: الكوفية، المفتاح، الشهيد الطفل، المرأة الحاملة للسلاح…

وكان الملصق في هذه المناطق يطبع ويُوزع خلسةً، ما يجعل من كل نسخة بياناً سرياً علنياً في آنٍ. وكان الشكل أكثر غنىً وارتباطاً بالفن العربي: خطوط كوفية، رسوم تعبيرية، ألوان مشبعة.

مع انطلاق الثورات العربية (2011)، لم تعد الجدران وحدها كافية، فانتقل الملصق إلى العالم الرقمي. أصبح ينتشر عبر فايسبوك وتويتر، يُصمّم بسرعة، ويُستهلك أسرع.

في هذه المرحلة، تزاوجت لغة البوب آرت مع اللغة السياسية، فظهرت رموز مثل: القناع (Guy Fawkes)، هاشتاغات الثورة، صور الشهداء بصيغة مرئية محببة، والبوب آرت المطبوع رقمياً.
أحد أبرز الأمثلة كان في سوريا ومصر، حيث صُمّمت ملصقات تحاكي فن البوستر الأميركي، لكنها حُمّلت برسائل ضد الديكتاتورية. وهنا نلمس تحوّلاً حقيقياً: الملصق لم يعد يُعلّق، بل يُشارك. لم تعد وظيفته فقط التعبير، بل المشاركة الجماعية.

مقاومة ذاكرة السلطة بصرياً

عبر توثيق هذه المسارات المختلفة، يركز «شعوب ضد الحروب والقنابل والحكومات» على تفكيك البنية البصرية للسلطة، ويعيد صياغة التاريخ عبر الجدران، لا عبر الكتب.

فالملصقات ليست فقط مواد أرشيفية، بل وثائق شعبية حيّة، تعكس تقاطعات السياسة والفن والمقاومة. لا يعود الملصق هنا مجرد وسيلة إعلامية، بل يصبح فعلاً ثقافياً مقاوماً، يواجه الهيمنة البصرية والسياسية معاً.

وفي زمن الصورة العابرة، يبدو معرض «شعوب ضد الحروب والقنابل والحكومات» دعوة للتوقّف، للتأمّل، لإعادة النظر في التاريخ من نافذة الملصق، هذا الفن الشعبي الذي تحوّل من أداة في يد النظام، إلى يد ترجف الأنظمة».

* «شعوب ضد الحروب، القنابل، والحكومات»: حتى 31 آب (أغسطس) ــ متحف «نابو» (الهري ـ شمال لبنان) ـ للاستعلام: 26/542341

شاهد أيضاً

بيان العهد الجديد: من غبار الدمار إلى قيامة الأمة

بقلم: المستشار فيصل الخليفي لم يعد يملك الوقت ترف الانتظار، ولم يعد لدى الشعوب فائض …