اليومُ الرابعُ من محرَّمِ الحرامِ 61هـ: كربلاءُ الطفِّ والوحشيّةُ المُمنهجة.

✍️ بقلم / طوفان الجنيد.
“السلامُ على الحسين، وعلى عليّ بن الحسين، وعلى أولادِ الحسين، وعلى أصحابِ الحسين.”

عندما نتطرّقُ إلى فاجعةِ الطفِّ في كربلاء، لا نُثيرُ العاطفةَ ولا نُذكي الحزنَ لأجلِ الحزن، فالمأساةُ بحدِّ ذاتها قمّةُ الإحساسِ والألم، وذروةُ الإثارةِ في الوجدانِ الإنساني. لكننا نقاربُها من زاويةٍ أخرى: زاويةِ الوعيِ الثوريِّ والتحليلِ التاريخي، بوصفها مدرسةً ثوريّةً إيمانيّةً خالدة، لا يجوز أن تُختزل في بكاءٍ عابرٍ أو تُقيَّد بسلاسلِ الزمن.
إنَّ كربلاء ليستْ مجرّدَ حدثٍ مضى، بل صرخةُ حقٍّ باقيةٌ، ونورُ بصيرةٍ يتجدَّد، وصراعٌ بين الخيرِ والشرِّ يتكرَّرُ في كلِّ عصر. فالحادثةُ التي هزّت السماءَ وبكت لها الملائكةُ، لا تزالُ ماثلةً في ضميرِ كلِّ حرٍّ على هذه الأرض، وستبقى شاهدًا حيًّا على وحشيّةِ الطغاة، وقداسةِ المظلومين.
محطةٌ دامية من محطات الوحشيّة الممنهجة
في اليومِ الرابعِ من محرَّم، ازدادَ خناقُ الحصارِ على خيامِ الحسينِ وأهلِ بيته، وشدّد جيشُ الباطلِ قبضتَه على الماءِ، مانعًا حتى قطراتهِ عن النساءِ والأطفال، في جريمةٍ لا يقبلُها عرفٌ ولا دينٌ ولا إنسان.
كان الطاغيةُ يزيد بن معاوية قد أعدَّ العدّة، وأصدرَ الأوامرَ بالقتلِ الجماعي، وبحزِّ الرؤوسِ ورفعِها على الرماح، لتُهدى كأكاليلِ نصرٍ مزيفٍ إلى عرشِ الظلم. وقاد تلك المجزرةَ ابن زياد وعمر بن سعد – عليهم لعائنُ الله والملائكة والناس أجمعين – بجيشٍ قوامُه ثلاثونَ ألفَ مقاتلٍ، ضدَّ سبعينَ بطلًا من أنصارِ الحسين، في مواجهةٍ هي الأظلمُ والأبشعُ في سجلِّ التاريخ الإنساني.
لقد تفوّقتْ وحشيّتُهم على كلِّ ما سبق، بل تخطّتْ حتى جريمةَ مقتلِ يحيى بن زكريا، حين لم تُرفَعْ رؤوسُ الأنبياءِ على الرماح، كما فعلوا بالحسين وأصحابِه عليهم السلام.
كربلاء… مرآةُ الحاضر وأبجديةُ الوعي
كلُّ خيرٍ تجسّدَ في الحسين، وكلُّ شرٍّ تجلّى في يزيد. لم تكنْ كربلاءُ حدثًا عابرًا، بل نبوءةَ كلِّ الثوراتِ الآتية، ونموذجَ الصراعِ الأزليِّ بين الحقِّ والباطل، بين النورِ والظلام. واليوم، نرى غزةَ الحسينِ في وجهِ يزيدِ العصر – أمريكا وإسرائيل – وهي تُذبحُ بسكاكينِ الحصارِ والتجويعِ والدمار، ويُمارَسُ ضدَّها أبشعُ أنواعِ الجرائمِ والانتهاكاتِ للحرمةِ الآدميّة، بتواطؤٍ أمميٍّ وصمتٍ دوليٍّ وتخاذلٍ عربيٍّ وإسلاميٍّ مُهين.
عامانِ وأكثر، وتحالفُ الطغيانِ الدوليّ يُمعنُ في القتلِ والتدمير، دون وازعٍ من ضمير، في تكرارٍ فجٍّ لمشهدِ كربلاء، بل بأدواتٍ أشدَّ فتكا، وتغطياتٍ إعلاميّةٍ أكثرَ وقاحة.
نحوَ وعيٍ حسينيٍّ ثوري
ختامًا…
لا بقاءَ للأمّةِ إلا إذا حملتْ كربلاءَ في فكرِها، لا في دمعتِها، واستلهمتْ العِبرةَ لا العَبرة. علينا أن نعرضَ هذه الأحداثَ على القرآن الكريم، لنفهمَ الموقفَ الحقَّ، ونتعرّفَ مواضعَ الانحرافِ والخذلان، وننطلقَ على نهجِ الحسين في رفضِ الطغيانِ ونصرةِ المستضعفين.
يجبُ أن نقفَ حيثُ وقَفَ الحسين، وأن نُحسنَ التمييزَ بين الحقِّ والباطل، ونسيرَ على صراطِ الله العزيزِ الحميد، حاملين رايةَ القيمِ والمبادئ، لنُصبحَ كما أرادَنا الله: خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس.
وللحديث بقيّة…

شاهد أيضاً

الغُرْمُ والغنَمُ (غين ضمة)

  عضواتحادالكتاب اللبنانيين د. عصام العيتاوي منذ العام 1948، قالها الثائر على الإقطاع السياسي في …