بقلم علي خيرالله شريف
لا تنفع الشهادات العليا إذا لم تُسَخَّر لخدمة المجتمع والوطن، ولا تنفع مجلدات القانون والسنوات الطويلة من الخبرة في القضاء، إن لم تُستثمر في إحقاق حق ونشر عدل ودفاعٍ عن مظلوم. ولا تنفع المناصب وألقاب الحكم كلها إذا لم تصاحبها قوة الشخصية وإثبات الوجود والهيبة وفرض السيادة الوطنية وخدمة الشعب وصون كرامته. ولا تنفع كل العلاقات الدولية إذا كان صاحبها يمارسها تابعاً ومتملقاً للأمير والشيخ والمتصدق عليه بالمكرمات. ولا تنفع الثقافة كلها إذا لم يستطع صاحبها التمييز بين الصح والخطأ وبين الاستقامة والانحراف.
لدينا رئيس حكومة لا نتمناه لأحد من الدول، حتى أسوأها، فعلى سبيل المثال لا الحصر، أدان الضربة الإيرانية للقاعدة الأميركية في قطر قبل أميرها. حتى الأمير كان خجلاً ومحرجاً ومتردداً في إدانتها. وإذ بنواف سلام يصدر بيان الإدانة ربما قبل أن تصل الصواريخ الإيرانية إلى القاعدة الأميركية. لقد كان أسرع من القبة الحديدية. حتى التملق يحتاج بعض التروي وبعض الرصانة. أما رئيس حكومتنا، فمرحباً بالخفة في المواقف.
تعالوا نستعرض الأحداث منذ وصوله إلى سدة رئاسة الحكومة لغاية اليوم؛ أقوى تصريح له كان كلامه أن زمن السلاح والمقاومة قد ولى. وأكثر تصريح تكراراً من تحت شاربيه الكثيفين، كان تمجيد القرار 1701 والحضن العربي والمجتمع الدولي، وأعرض ضحكة رأيناها على ثغره الذي يشبه خاتم سليمان بنعومته، كانت عندما التقى أحمد الشرع الجولاني في قصر المهاجرين في دمشق. وأكبر همه كان وما يزال توفير الراحة للسياح الخليجيين في لبنان وعدم تعكير مزاجهم وهم يمارسون تضامنهم العربي في المراقص اللبنانية.
أما أصدق الوعود التي أطلقها فكانت غير صادقة، ولا تتعدى ملء الفراغ بالكلام المناسب وغالباً غير المناسب.
عند نواف سلام، لا مجال للكلام عن هموم الشعب اللبناني لأن ذلك آخر همه. لم نسمع إلا نادراً يتكلم عن الاعتداءات الصهيونية اليومية والاغتيالات لأبناء وطنه(إن كان يعتبره وطنه، في الجنوب والبقاع والضاحية، ولم نسمعه يدين العدوان الإسرائيلي على إيران أو على اليمن أو العراق إلا خجلاً، حتى أنه لم يحتج كما يجب على قتل الجندي اللبناني وابنه من قبل العدو.
مع ذلك عقد اللقاءات وأطلق سيل التصريحات، وأجرى الاتصالات، وتوسل كل الجهات، وتمتم وتألم وتهجم وتذمر وتغربل وتمرمر و”لولح” بذراعيه، و”جوجل” بسرواله، وجاشت مشاعره الوطنية ولواعجه الدولية، عندما صفع شابٌ جنوبيٌّ أحد أفراد القوات الأممية التي اعتدت على حرمة قريته الجنوبية بكل فظاظةٍ وعدوانية.
هذا هو رئيس حكومتنا يا سادة يا كرام، تستطيعون القول أنه يبرع جداً في إظهار الحفاوة لجلالة الملك وسمو الأمير وسعادة السفير، شنتيرةً كان أم شنتير. بالتأكيد لم يكن الوحيد في هذه الألمعية السيادية، بل سمعنا نفس الطقطقة واللقلقة من كثيرين ممن هم معتادون على فت الفلوس في ساحات الرقص الشرقي ومهرحانات الترفيه الماجنة في العلب الليلية الثقافية من تحت الزنار. والتي تتغلغل فيها الدبب الداشرة والدشداشات الفضفاضة والذقون المتدلية من قصور الاستخراء والاستمناء وشرب بول البعير وخمر التكفير على سيقان بائعات الهوى وغانيات جهاد النكاح وزواج المسيار والمسفار والمصياف وغيره من بدع أنصاف المخلوقات، مشبوهة الجنس والغريزة.
بعد ما يقارب السنة على تعيين نواف سلام رئيساً للحكومة، لم نشعر يوماً أنه رئيس حكومة لبنانية. سمِّه ما شئت، حارس قضائي على إفلاس لبنان، مندوب سامي أميركي، مدير لشؤون الخليجيين في لبنان… سمِْهِ ما شئت إلا رئيس حكومة لبنان، لأنه أقرب إلى كونه رئيس مصالح الغرباء في لبنان.
إن الضربة الإيرانية للقاعدة الأميركية يا سيد نواف ليست عدواناً، وإذا كنت رغم شهاداتك القانونية لا تميز بين الثأر والعدوان، ولا تعرف أن القاعدة هي أميركية على أرض قطرية، فاعتزل منصبك، لأنه من المعيب أن لا يعرف رئيس حكومة هذه الحقائق الدامغة. ومن المعيب أن يكون متزلفاً إلى هذا الحد للغرباء ووفياً لهم، ومتجاهلاً إلى هذا الحد لشعبه ومعادياً له، هذا إذا كنت تعترف أنه شعبك.
الأربعاء ٢٥ حزيران ٢٠٢٥
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
