“اليد التي لم تُرَ… حين تكلم الصمت وانكشفت الظلال”

د.محمد هزيمة كاتب سياسي وباحث استراتيجي مستشار في العلاقات الدولية

في عالم يُدار من خلف الشاشات، لم تعد الطائرات هي القاتلة، بل العيون الصامتة في شبكات الألياف، والأصابع التي تضغط أزرار الدخول كأنها تفتح أبواب المقابر.
اغتيالات إيران لم تكن طلقات عشوائية… بل فصولاً من رواية خفية، كُتبت بلغة رقمية، ونُفّذت بأيدٍ لا تحمل سلاحاً، بل شيفرات.
منذ عقود، كانت الصفقة تُطبخ بهدوء: *RAW الهندية والموساد الإسرائيلي* على طاولة واحدة. الهند تُدخل الشركات، إسرائيل تُمرر الأدوات، والخليج… يفتح الأبواب باسم التنمية. لم يدرك أحد أن المهندس الهندي الذي يبتسم في مكاتب الاتصالات قد يكون هو من يحدد لحظة اغتيال قائد ميداني.
*TCS في “دو”، Wipro في أنظمة البنوك، مهندسو الرادار، ومبرمجو المطار…*
كانت الرقابة تُزرع، خطوة خطوة، بعقل بارد. لا رشاش ولا دبابات، بل أجهزة “وافدة” تتحدث كل اللغات، إلا لغة البراءة.
*سليماني؟ فخري زاده؟ هنية؟*
لم يكونوا وحدهم أهدافاً. كانوا نتائج.
الطلقات لم تأتِ من فوق، بل من الداخل.
من شاشة في غرفة فندق بلا علم، إلى غرفة عمليات في تل أبيب، مرّت البيانات كأنها رياح… لكنها كانت ريح السمّ.
اليوم، انكشفت اللعبة.
تركيا تعتقل مستخدمي برامج هندية.
إيران تحاكم متهمين آسيويين.
قطر تفضح شبكة كاملة عبر شركة Dahra.
والخليج يتساءل: هل كنا نستورد الموت باسم التنمية؟
أن ما بُني بسنوات من “ثقة”، تحوّل إلى جسر للاختراق.
وما حسبناه “وافداً” بسيطاً، كان ناطور الغدر، ووسيط الاغتيال.
ليست كل يد عاملة بريئة.
وليس كل كابل إنترنت آمن.
في زمن الحروب الصامتة، تكون الضحية أول من يصفق للجاني.
فيا من تتباهون بالتحالفات:
هل حسبتم كم روحاً أزهقت خلف ابتسامة مهندس؟
ويا من فتحتم أنظمتكم بلا حذر:
اليد التي لم تُرَ… كانت تمسح أسماءكم من على الخريطة، دون أن تشعروا.
في النهاية، لا يوجع الوطن سيفٌ في يده… بل كفٌّ غريبة خبأت فيه خنجراً.
اليوم، والعالم يتخبّط بين تطبيع وتفرقة، تأتي رسالتهما كصفعة للخذلان:
أن الحقّ لا يُقاس بتوازنات القوّة، بل بثبات أصحاب الموقف.
أن الحرب ليست فقط على الأرض، بل على العقول.
وأن النصر ليس غلبةً عسكرية، بل بقاء البوصلة في اتجاهها.
الحرية ليست ضوءًا يُمنح، بل شعلة تُشعل، وهذان القائدان أشعلاها دون خوف من العتمة.
*”يا من تظنون أن الكلمة سلاح الضعفاء،*
تعالوا واسمعوا حين تشتعل الحروف في فمِ نصر،
*وتضجّ السطور من وهج علي…
هنا تُكتب الحرية بماءِ الصبر، لا بحبر الأوهام.”
فهل آن أوان أن نعرف من أين يُشرق الضوء… ومن لا تغيب شمسه؟

 

شاهد أيضاً

الشيعة في باكستان مسار التشكّل والبحث عن مشروع جامع

قراءة في كتاب ” الشيعة في باكستان ” مسار التشكّل والبحث عن مشروع جامع   …