توازن الرعب

بقلم ريما فارس

لا يبدو أن العالم يتجه نحو الهدوء، بل إن رياح الشرق الأوسط تهبّ حارقة، تحمل في طياتها روائح البارود، وتهديدات وجودية، ومعادلات جديدة تتشكل بلغة النار لا البيانات. ثلاثي الصراع: إيران، إسرائيل، وأمريكا، بات اليوم محورًا لعاصفة تتصاعد على وقع المسيّرات، والصواريخ، والانهيارات السياسية.

إسرائيل تعيش اليوم قلقًا وجوديًا غير مسبوق. لم يعد السؤال “متى تضرب؟” بل “كيف تصمد؟”. فبعد طوفان الأقصى وما تبعه من فتح كل الجبهات من الشمال والجنوب واليمن، لم يعد الردع الإسرائيلي كما كان، بل تحوّل إلى وهم انكشف أمام أعين العالم. الضربات الإيرانية، سواء عبر الوكلاء أو من الأراضي الإيرانية مباشرة، أرست معادلة جديدة: “لا أمن لكم في أي مكان”. ومع تقلص الدعم الدولي، وتزايد العزلة، تتصدع صورة “إسرائيل القوية” يوماً بعد يوم.

من تحت رماد العقوبات، تنهض إيران بكل ثقة، لا فقط بترسانتها العسكرية والصاروخية، بل بنفوذها في محور واسع يمتد من اليمن إلى لبنان، ومن بغداد إلى دمشق. أما في الملف النووي، فقد وصلت إلى عتبة السلاح – دون أن تتجاوزه – لتبقى ممسكةً بعصا الردع دون أن تحرق فتيل الحرب. إيران اليوم ليست فقط دولة… إنها عقيدة، ومحور، واستراتيجية بعيدة النفس، تدير المعركة على مراحل، وتراكم نقاط القوة بصبر الثوريين، لا استعجال المستهلكين.

ورغم ضجيج واشنطن، فإن أمريكا لم تعد تملك حرية الحسم. فأزماتها الداخلية، واستنزافها في أوكرانيا، وصراعها مع الصين، كل ذلك يجعلها تحاذر الانزلاق في حرب شاملة مع إيران، تدرك أنها لن تخرج منها بوسام نصر، بل بندوب الهزيمة. تدعم إسرائيل، نعم، ولكنها تعرف أن الكلفة باتت باهظة. وأن خريطة الشرق تتغير من تحت أقدامها، وأن شعاراتها عن “الحرية والديمقراطية” تسقط واحدة تلو الأخرى، من غزة إلى لوس أنجلوس.

لم تعد المعركة تقليدية، ولا الحرب شاملة، لكنها “مركبة” وذكية. محور المقاومة يديرها بـ”ضربات موزونة”، تتكامل من غزة والجنوب اللبناني إلى البحر الأحمر. لم يعد بالإمكان فصل الجبهات، ولا تجاهل التنسيق بينها. وهنا تكمن معادلة الرعب الإسرائيلي: عدو غير تقليدي، يملك صبرًا استراتيجياً، وقوة عقائدية، ويقاتل على أكثر من جبهة دون أن يُستنزف.

نحن أمام عالم جديد يولد من رحم الانفجار، وشرق أوسط يعاد تشكيله بلغة الميدان، لا المؤتمرات. إيران لا تتراجع، إسرائيل تفقد تفوقها، وأمريكا تعجز عن فرض شروطها كما في السابق. وإذا ما واصل هذا الثلاثي السير على هذا الحبل المتوتر، فإن الشرارة القادمة قد لا تشتعل فقط في تل أبيب أو طهران، بل قد تمتد إلى عواصم لم تحسب أنها ستكون يومًا جزءًا من المعركة الكبرى… التي اقتربت أكثر من أي وقت مضى.

لكن في عالم لم يعد يخضع للثوابت، من يملك اليوم رفاهية اتخاذ القرار… ومن ينجو من ثمنه؟

ريما فارس

شاهد أيضاً

زلزال اليمن في قلب الاحتلال صواريخ الصبر والعزم تهدم الهيبة الزائفة

#عفاف_فيصل_صالح يافا المحتلة ها هي الصواريخ اليمنية تقتحم السماء كالسيوف المضيئة، تهز أركان الكيان الصهيوني، …