بقلم: ميرنا دلوّل
تدخل منطقة الشرق الأوسط اليوم مرحلة شديدة الخطورة مع تصاعد الحرب المفتوحة بين إيران وإسرائيل، والتي خرجت من دوائر الظل إلى العلن، مهدّدةً بانفجار إقليمي واسع النطاق. تتداخل في هذا الصراع المحموم أبعاد سياسية واقتصادية وعسكرية، وتتكشف فيه أدوار القوى الدولية من واشنطن إلى موسكو، ومن بكين إلى كابول، في مشهد يوحي بأن النزاع لم يعد محصورًا بين طرفين فقط، بل أصبح جزءًا من لعبة أمم كبرى.
لطالما وقفت الولايات المتحدة الأميركية إلى جانب إسرائيل، وهذا لم يتغير في ظل إدارة ترامب الثانية، التي تُعيد نبرة الحسم والمجابهة في السياسة الخارجية. الدعم العسكري والسياسي الأميركي لتل أبيب لم يتوقف، لكنه بات يتوازن اليوم مع قلق أميركي داخلي متصاعد من تداعيات استمرار الحرب، خصوصًا إذا أدى التصعيد إلى إغلاق مضيق هرمز أو الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.
فأي تهديد حقيقي لتدفق النفط سيقود إلى ارتفاع الأسعار عالميًا، مما سينعكس مباشرة على الاقتصاد الأميركي المترنح أصلًا تحت ضغوط تضخم وعجز متصاعد، في ظل سياسة ضريبية يفرضها ترامب أدّت إلى حراكٍ داخل بعض الولايات، من هنا تُطرح أسئلة جدية داخل أروقة واشنطن حول ضرورة الدفع نحو تهدئة ولو مؤقتة، إنقاذًا للمصالح الاستراتيجية لا مناصرةً للعدالة أو الحق.
مفاوضات تحت النار
لاشك أن الحرب أوقفت إلى حين المفاوضات النووية ووضعتها في مهب النيران، فقبل اندلاع هذه الحرب، كانت المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني تمر بمرحلة تعثر جديدة، واليوم يمكن القول إنها أصبحت على الهامش، فإيران التي شعرت أن خصومها يماطلون، باتت ترى أن امتلاك سلاح الردع النووي هو الضامن الوحيد لوقف الغطرسة الإسرائيلية والتدخلات الغربية.
إسرائيل، بدورها، تضع “التهديد النووي الإيراني” في قلب خطابها التبريري لضرب المنشآت الإيرانية، مما يجعل من الصعب العودة إلى طاولة المفاوضات من دون وقف إطلاق النار أولًا، وهو ما يبدو مستبعدًا في الوقت القريب.
في المقابل تشير التحركات الدبلوماسية والسياسية الأخيرة إلى تمايز متصاعد في المواقف. الصين، التي تتقدم بثبات نحو لعب دور القوة العظمى البديلة، تواصل إرسال إشارات واضحة بدعمها لإيران، سواء عبر شراكات اقتصادية ضخمة أو من خلال تعزيز الحضور في المعادلات الإقليمية.
روسيا، الغارقة في حرب استنزاف طويلة مع أوكرانيا، تجد في الحرب الإيرانية الإسرائيلية متنفسًا لتحويل الأنظار عن أوكرانيا وخلق إرباك إضافي للغرب. أما كوريا الشمالية، فتواصل إرسال رسائل “ردع” تقليدية عبر التجارب الصاروخية، في تلميح لتضامن مع المعسكر الرافض للهيمنة الغربية.
في الخلفية، تبرز أفغانستان كلاعب غير مباشر، حيث يشير بعض التقارير إلى نشاط متزايد لحركات مسلحة تُنقل بدعم إيراني في مساحات المواجهة، ما يضع المنطقة على صفيح أمني ملتهب، من دون أن نغفل عن الدور الباكستاتي المستجد، مما يؤشر إلى ولادة معسكر “شرق آسيوي” يثبت مسار “طريق الحرير” الذي تعمل واشنطن على تعطيله بأي شكل من الأشكال .
مراحل سياسية مختلفة
في المقلب الآخر لا يمكن تجاهل البعد الشخصي في هذا النزاع، فنتنياهو الذي يعيش واحدة من أعقد مراحله السياسية، يحاول استثمار الحرب لإعادة ترتيب أوراقه الداخلية، وتبرير استمرار الحكم رغم الانقسامات العميقة داخل المجتمع الإسرائيلي.
لكن الجنون السياسي الذي يدفع نحو صدامات مفتوحة قد ينعكس سلباً، خصوصاً مع تنامي الاحتجاجات الإسرائيلية الرافضة للتورط في حرب طويلة الأمد، ومع تزايد أعداد الجنود القتلى وتهديد الجبهة الداخلية.
فالداخل الإسرائيلي يشهد اليوم موجة استياء متنامية، ليس فقط من كلفة الحرب، بل من ضبابية الأهداف السياسية والعسكرية. فالمجتمع الذي اعتاد الحروب السريعة والصدمات الخاطفة، يجد نفسه أمام نزاع قد يطول، ومعادلات لم تعد تضمن النصر الحاسم.
هذا الانقسام، إلى جانب الشلل السياسي، قد يؤدي إلى تغييرات داخلية حقيقية في المشهد الإسرائيلي، وربما يسرّع سقوط حكومة نتنياهو، ما لم يحصل تحول مفاجئ
فالصراع الإيراني الإسرائيلي تخطى البُعد الثنائي وأصبح واجهة لتصادم المحاور العالمية. لا يبدو أن هناك حلاً قريباً، خصوصًا في ظل إصرار كل طرف على تحقيق انتصار سياسي قبل وقف النار. ومع غياب وساطة جدية وتفاقم التوتر الإقليمي، تبقى المنطقة رهينة لحرب قد تُعاد كتابتها في كتب التاريخ كواحدة من أخطر معارك الشرق الأوسط الحديث.
هل تهدأ العاصفة أم يتحول الصراع إلى زلزال يغير خرائط الإقليم والعالم؟ الأيام القادمة وحدها تحمل الجواب.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
