ممكنات التجريب السردي الحديث في المجموعة القصصية: (وطن بتوقيت جواد سليم، للقاص آياد القلعي)


قراءة :عبد الكريم عيسى


في مجموعته القصصية (وطن بتوقيت جواد سليم) الصادرة عن دار ابن السكيت لسنة 2016, يحاول القاص (اياد القلعي) بدراية معرفية مشفوعة بموهبة ان يجد مساحة اوسع لصوته المنفرد, في كتابة القصة القصيرة, مبتعدا عن التقليد وباحثا عن هويته الخاصة, مناورا في مساحة اوسع. فيصل عبر خطاباته القصصية الى صيغ سردية متطورة, مجنبا نفسه الوقوع في رتابة التعبير وميوعة النص الواقعي . ويعمل بمهارة على المزاوجة بين الخاص والعام. وباعتماده الواقع الفني, يتمكن من الدخول الى طبقات متعددة من قراءة الواقع العراقي وما يضمره من رسائل وعلامات متنوعة للفترة الممتدة منذ بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي الى يومنا هذا. اي استلهم موضوعاته للفترة ما قبل التغيير عام 2003 وما بعد عام 2003 م , من عالم التمزقات والتكسرات وعزلة الفرد وتمزق الجماعات والهويات, ساعيا بذلك الى تصوير الاوجاع الانسانية وعبثية الحياة وما يحصل من استلاب واغتراب وانتهاكات نفسية وجسدية وفكرية منطلقا من دواخل شخصياته وما يتجاذبها من قوى مجهولة وخارجية. كما انه في كل قصة, ينجح في عزل لقطة واحدة مغلقة من الواقع وهي في نفس الوقت قائمة على مشابهة الواقع وتتكأ كثيرا على الايهام بهذه المشابهة. فيفتتح قصته الاولى (تكبيرة ملثمة): ” انا لا اطيق الاسر في جنة لا يمكن لها ان تعيد لي ضجيج الحياة”, ص13, الى النهاية المفتوحة:” نسيت عيِّنَة الدم, كان العراق مُختَنِقا بها, حاولت صياغتها بطريقتها الاصلية دون جدوى فعدت ثانية الى التكبيرة الملثمة اووو عراق ص15″
يمتلك الكاتب بصائر متفتحة في افقها التجريبي فضلا عن تمثله الواعي الى مرجعيات ثوابت السرد القصصي التقليدية مع مغادرة الهيكلية الثابتة في المحتوى والتقنية. فضلا عن ذلك, تتسم نصوصه بالتأمل الجمالي لخصوصيات التقنيات السردية وشروطها, ساعيا الى ابتكار لغة قصصية جديدة, منتهجا لغة الخيال للخروج عن المألوف والسائد في وسائل التعبير السردية. فتحفل قصصه بالتلوين وخصوبة التقانات التجريبية, ويتسم مشروعه بالتأمل المتأني في طبقات الفكرة, جاعلا من افكاره تستوي على نار هادئة. وترتكز صياغاته الفنية على لغة الخيال المنفتح بحيوية على قراءته ومرجعياته الثقافية وما لها من انعكاسات واعية اثناء عملية الكتابة. وما يحاول اقتناصه واعادة كتابته هو عامل مضاف الى تنشيط الذاكرة والخبرة وترصين المعرفة.


وعلى وجه العموم, تتوفر نصوص مجموعة (وطن بتوقيت جواد سليم ) , على اهم سمات السرد الحكائي لجنس القصة القصيرة. اذ تتميز بوحدة الانطباع واحادية الحدث والزمن والشخصية وعنصر التكثيف والتركيز. مما اسهم في ادامة البعد التواصلي لعملية التلقي وتحضير ذهن القارئ للأصغاء اليها وتأملها من البداية الى النهاية, كما تمثل بمهارة تقانة الترشيق متجنبا التبذير اللغوي, جاعلا من كل عنصر يؤدي حضورا وفعلا تواصليا مع بقية العناصر.
وتتسم نصوص هذه المجموعة بهيمنة الطابع الوجودي, حيث تبلغ مشاعر الحزن والقلق والوحدة واليأس والعزلة والصراع بين الاذعان والمواجهة والحرية والارادة والجبر والاختيار. اضف الى ذلك , ما يرافها من خلال الفعل التواصلي للمضمرات اللغوية من تحفيز للاوضاع السكونية للكينونات الانسانية, ومديات تسليط القوى على الافعال لخلق الصيرورات وتدافعها في دوائر النشاط الانساني. ويمكن معاينة ذلك, في قصة (ثلج احمر):” فقلت في اعماق كأسي ان حياتي قد انتهت عليَّ ان اثور, لا وقت للمهادنة” ,ص28.
وينجح بمديات مؤثرة في توظيف تقانة تفتيت الحدث القصصي مع المحافظة على وحدة الانطباع وحبكة الصوت المنفرد. فيتحرك بمخيال قصصي منطلقا من بدايات قصصية منفتحة في محمولاتها الدلالية نحو تفتيت وحدات القص الاساسية عبر خلط الواقعي بالخيالي, مستعينا بفنون وزخارف اللغة وما تحمله من مكافئات ايحائية واستعارية, محاولا بهذا الاداء الخروج من النمط التقليدي الصارم من خلال فتح مسارات حكائية جديدة, مشتغلا على اشكال الزمان من استرجاعات واستذكارات واستباقات زمنية, مفتتا بذلك وحدتي المكان والزمان. علاوة على ذلك, يمتلك القدرة في التحول من السرد النقي الى السرد التركيبي الذي يحتمل مديات مهمة من التأويل, عبر اللغة والاسلوب.
وعلى الرغم من الرؤية الكابوسية وسيطرة الجو المأساوي على الحدث وتداخل الواقعي مع المتخيل والشعور واللاشعور وتعقد اشكال الصراع وتنوعها وموجة الضياع الانساني, بيد انه يوجه شخصياته توجيها تطهريا, جاعلا المتلقي يحس بمبدأ الشفقة والخوف من تمظهراتها السلوكية وما تعانيه من قلق وارتباك واضطراب وتمرد على الاوضاع الظلامية التي تعيش في ظلها. ويعتبر الصراع اساسا لكل حبكة يتمثلها من خلال رؤيته الفردية في اطار الذهن او في العالم الخارجي الذي يتصدى له معتمدا وحدة الانطباع والتكثيف والشعرية ووحدة الحدث والشخصية والتحديد الدقيق للموضوع والطريقة اللامباشرة للسرد مقارنة بما هو عليه في بناء الحبكة التقليدية ؛ فعلى سبيل المثال, تحدد قصة (الارملة,ص97) , التي انتهكت كرامتها وحرمة جسدها وحدة عسكرية اثناء غياب زوجها بحجة التفتيش عن الاسلحة. والذي قتل من قبل احد جنود القوة المداهمة للمنزل حال وصوله باب الشقة, فجاءت النهاية –القفلة القصصية:” عندها سقط العراق قتيلا ليعلن عشتار ارملة لتموزنا الاسطوري الذي عشقته حد الوله….” , تداخلا رئيسيا مع ما هو موروث, مستثمرا سيطرة الثيمة الاساسية , والسياق المرحل باتجاه النص, مع ان الذي يجري هو الانثيال القصصي لاستدعاء ما هو اكثر تأثيرا على وفق الوعي الموروث بخصائصه , وبهذا التوظيف ينحو النص الى تشكيل علائق في المعنى والدلالة وما يخص بنية السرد والوصف.
وفي سردياته ,ايضا, نرى معالم واضحة لفك طلاسم الواقع العراقي عبر تقانة المفارقة والادهاش ويربك ببصمته السردية الوقائع بخلطته السحرية من الواقعية العجائبية وما تحويه من طلاسم الواقع وتقلباته, والمخيف من احداثه , عبر هلوسات السارد المضمر والسارد الاخر والسارد العليم, والسارد الايحائي. وتتصف قصته بالتعادلية السردية, فتشكل بذلك صدمة الواقع ورد فعله الجمالي ازائه.
استثمر الكاتب ايضا, التقانات السينمائية كالتصوير السريع: ” جاؤوا به مع طلعة الفجر وصمت البيوت التي تغط من عمق لهاثها بنوم عميق, ص65″ و “شاخت بوجهه تجاعيد الموت , فتح النافذة, كانت اشعة الشمس تتسلل من بين الغيوم, شوارع ملثمة, ص79” . وكذلك , المونتاج الزماني والمكاني والقطع والاختفاء التدريجي وما شابه.
وبالامكان ايضا ان نرصد مديات العلاقة بين الجملة القصصية والمشهد القصصي. فتنفتح الجملة القصصية لدى القاص اياد القلعي على دلالات داخل حقل المشهد القصصي. ووجود روابط بنيوية بينهما. فتاتي متوالية الجمل القصصية :” الهدوء يغمر الافق ويضغط على الاعصاب,ص31″ , “لم اعرف ان الفقدان الراكد في جوفي بأثار البكاء يتربصني بخطوات اقدامه, ص33, “حياة زوجتي وطفلي يجبرانني على البحث عن بقعة امنة ،ص٣٣” ، الفحيح يكتسح المدينة ،ص٣٣” كعينة تنفتح دلاليا داخل حقل المشهد الكلي لقصة ( فزع على كوكب اخر) فنلاحظ بذلك ان جمله القصصية تحمل مفردات لغوية بخاصيات معينة تمنح نفسها لتكون كاشفة للمشهد الكلي .
وقد نجح بمديات موفقة في توظيف تقانة العنونة وقصدية استخدامها فاشتغل العنوان الرئيس للمجموعة: ( وطن بتوقيت جواد سليم كنص موازي وعتبة نصية فاعلة في طاقته الدلالية المختزنة منشبكا بتبادلية تأثيرية واسعة الطيف مع الفضاء التشكيلي لصورة الغلاف والعتبة التي تليه والثانية وحتى عتبة الاهداء الثالثة , ومتعالقا بقوة ومسهما في اثراء متوالية العناوين الثانوية للمجموعة القصصية.
وعلى الرغم من هيمنة الاداء الفني والجمالي, على وجه العموم في انتاج هذه الاضمامة القصصية, الا انه كان بامكان الكاتب تجنب الوقوع في الهتافية والمباشرة في بعض المواضع. ويبدو ان الاعلامي-القاص اراد ان يرحل بعض من سمات الخطاب الاعلامي وما يتمثله من لغة التصريح لا لغة التلميح. ولا شك انها ربما تثري النص , وتمنح فسحة استرخاء لتخفيف شدة الفكر وازالة مؤقتة لضبابية التكثيف من ناحية, ولكن من ناحية اخرى تسلب جزءاً من متعة التأمل الاستكشافية للمتلقي وما يتمتع به من سياحات ذهنية ورغبة في المشاركة, وفي نفس الوقت لا تتعايش كثيرا مع فن القصة القصيرة –فن الصمت والخفاء-كما عبر عنه الكاتب الايرلندي فرانك اوكونور.
واخيرا وليس اخرا لابد من القول ان فضاءات الخطاب القصصي لهذه المجموعة قد وفرت بمجملها سياحات ذهنية مستفزة لدائرة التلقي في بيئة خطاب سوسيوثقافي تواصلي زاخر بمتعة القراءة وحافل بالمعنى والفكر والخيال الخصب والجمال والابداع.

شاهد أيضاً

احتيال و”بيع” زبائن في المصارف !

كتبت “الأخبار” رغم انتهاء المهلة الممنوحة للمصارف من أجل تكوين سيولة في الخارج بنسبة 3 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.