في ذكرى سقوط غرناطة.. كيف احيت دراما حاتم علي الأندلس؟!

في مطلع يناير من كل عام يستحضر المسلمون ذكرى سقوط غرناطة، يستعيدون الحديث عن الفردوس المفقود بفقدان الأندلس، تلك الحاضرة الإسلامية التي أضاءت ظلمات أوروبا
بقيت شواهد الأندلس تذكرنا بأننا كنا هنا، بناياتها وأزقتها وزخارفها، حدائقها ومآذنها التي تعانق السماء تسكنها أنفاس المؤذنين، غُرس حب الأندلس في وجداننا حاضرة وتاريخاً بفضل الإنتاج المعرفي الغزير والأعمال الدرامية التي تناولتها بالمعالجة، وأهمها بلا شك “ثلاثية الأندلس” للكاتب د.وليد سيف، والمخرج حاتم علي، سلسلة درامية ربطت الأجيال بهذه الحقبة التاريخية، لكن يجب أن لا ينسينا بكاؤنا الأندلس، حواضر إسلامية أخرى تنتظر من يصورها درامياً.

بعد نحو ثمانية قرون أُسدل الستار على حاضرة المسلمين في الأندلس، وإن شئت فقل حاضرة الإنسانية، فهذه قرطبة جوهرة العالم، وجامعها الكبير المهيب، وهاك غرناطة وقصر الحمراء، وهناك طليطلة والزهراء وإشبيلية وبلنسية وسرقسطة ورندة، ومن قبلها “جبل طارق”، كلها تخبرك أن المسلمين مرُّوا من هنا، وهنا وُلد وعاش أمراء وعلماء أفذاذ في الطب والفلسفة والفلك والفنون، هنا تاريخ إسلامي عريق يمتدّ بين ألف قصة وقصة أشرقت شمسه عام 711م بفتح الأندلس وظلت 770 عاماً بقعة النور والحاضرة التي تعلّم أوروبا، إلى أن غربت شمس النور عام 1492م بسقوط غرناطة قبل 529 سنة من الآن.

الفصل الأخير

نحن الآن في النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي، والواقع العام بين مشهدين مغايرين، المشهد الأول تجييش وزواج سياسي استعداداً لاقتلاع غرناطة آخر ما تبقى من نور الحواضر الإسلامية في تلك البلاد، مملكتا “قشتالة وأراجون” على مقربة من الاتحاد، فها هي ذي “إيزابيلا” شقيقة ملك قشتالة تتزوج بابن عمها و”فرناندو” نجل ملك أراجون، وفي ديسمبر/كانون الأول 1474 تصبح إيزابيلا ملكة على قشتالة خلفاً لأخيها هنري، فاستقرت وزوجها على عرش المملكة، وبعد خمس سنوات أخرى يموت “خوان الثاني” ملك أراجون فيتولى ابنه “فرناندو الثاني” (زوج إيزابيلا) العرش، وبذلك اتحدت المملكتان، فيما المشهد الثاني في غرناطة المسلمة يسوده تنازع وحروب أهلية وضعف وتمزُّق.

إذاً الفرصة مناسبة لإعلان الحرب على غرناطة، والأجواء مهيأة لتحقيق نصر عظيم، فالحرب صليبية كما أعلنها البابا سيكتوس الرابع، والدعم المادي يتدفق على فرناندو وإيزابيلا لتمويل الحرب، والمتطوعون يحتشدون أملاً في الانتقام من المسلمين والقضاء على آخر مملكة لهم في شبه الجزيرة الآيبيرية، لا سيما بعد فتح القسطنطينية 1453م.

ها نحن أولاء قد وصلنا إلى عام 1482م، الحرب تبدأ وتستمرّ 10 سنوات، بعدها أُسدِلَ الستار وطُويت صفحة غرناطة، آخر ما تبقى للمسلمين في الأندلس، في الثاني من يناير/كانون الثاني 1492، سبقها بأشهر حصار غرناطة في أبريل 1491 مما اضطر أهلها إلى أكل الكلاب والقطط وذبح خيولهم، فوقّع وجهاؤها معاهدة التسليم في نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام، تضمنت 67 بنداً، منها ما نصّ على حماية الحرية الدينية للمسلمين وعدم طردهم أو إجبارهم على مغادرة بلادهم، وفي يناير/كانون الثاني كان مشهد النهاية بتسليم غرناطة.

القتل في انتظاركم

بعد تسليم غرناطة، نقض فرناندو وإيزابيلا المعاهدة، ونُصبت محاكم التفتيش، وتم فرض التحول من الإسلام إلى المسيحية، ولم يبقَ أمام المسلمين إلا 3 مصاير: إما اعتناق النصرانية وإما الفرار وإما التعذيب حتى الموت، وحُولت المساجد إلى كنائس، كما امتدّ الحقد إلى التراث الإسلامي، فتم إحراق نحو 80 ألف كتاب من تراث الأندلس في ميدان غرناطة كما يذكر المؤرخ ود.عبد العزيز العويد.

البقاء في الذاكرة

اللافت في الأمر أنه رغم طول تلك المدة على سقوط الأندلس، فإنها تبقى حاضرة في حكاياتنا ونقاشاتنا وحتى اللافتات بأسماء الشوارع والدكاكين، حاضرة في تشبيهاتنا ومخيلتنا، وكل هذا بفضل الإنتاج الغزير معرفياً وثقافياً وحتى فنياً ودرامياً، وهو ما ساهم في ربط الأجيال على مر العصور بالأندلس، لا سيما مع تتويج هذا الثراء المعرفي بأعمال درامية هادفة غرست الأندلس كحالة وجدانية في نفوس الشعوب العربية والإسلامية، ارتبطوا بمدنها وأحيائها وأزقّتها وأسماء مدنها وعلمائها، بفعل هذه الأعمال المتنوعة، تأتي في مقدمتها “الرباعية الأندلسية” التي كانت نتاج تعاون متميز بين الكاتب الفلسطيني الأردني د.وليد سيف والمخرج السوري حاتم علي الذي رحل عن عالمنا قبل أيام من ذكرى سقوط غرناطة هذا العام.

ثنائية الكاتب والمخرج

هذه الثنائية التي تكونت بين وليد سيف وحاتم علي، وهما للمفارقة أولهما لاجئ وثانيهما نازح، بدأت بتعاونهما في مسلسل “صلاح الدين”، نجحت الثنائية بهذا القدر الكبير من التوافق بين “وليد سيف” ككاتب ينظم الكلمات ويصوغ النصوص، وحاتم علي كمخرج يقدم هذه النصوص فنياً ويصورها درامياً، فالكاتب وعى مبكراً بفلسطين ومعاناتها بحكم ميلاده ونشأته في مدينة طولكرم وعلى مقربة من مخيم اللاجئين، ترسخت فلسطين في ذاكرته كإنسان أضفى عليها دلالة رمزية كمؤلف في أعماله، ومنها “التغريبة الفلسطينية”، والمخرج كان حالة مشابهة، فهو ذلك النازح الذي نشأ على مقربة من مخيم اليرموك في سوريا وتحول من عالم التمثيل إلى الإخراج، وهو الفن الذي وجد حاتم أنه يجعله أشبه بالصانع ومنحه مساحة أكبر في هندسة وتصوير هذه الروائع التاريخية، كان سرّ نجاح الثنائية كما يصفه “المخرج” ينبع من عدم رغبة الطرفين في أن يفرض كل منهما رأيه على الآخر، ويراها “الكاتب” في التوافق في الرؤية، لأنه إذا كان في الرؤية خلاف فلن تكون ثنائيةٌ، فلا الكاتب الذي يقدّر جهده يمكنه أن يكتب وفق رؤية غيره، ولا المخرج الناجح يمكن أن يتبنّى عملاً يخالف قناعاته الفكرية والفنية.

الرباعية الأندلسية

“رباعية الأندلس” يُقصد بها تلك الأعمال الدرامية الأربعة التي تتناول الأندلس كحاضرة تاريخية منذ صعودها حتى سقوط غرناطة، بالتعاون بين وليد سيف وحاتم علي خرجت للنور منها الأجزاء الثلاثة الأولى، لم تكُن في البداية مخطَّطاً لها أن تكون سلسلة، كل ما في الأمر أن النجاح الكبير الذي حقّقه مسلسل “صقر قريش” عام 2002، الذي تناول سيرة “عبد الرحمن الداخل” مؤسس الدولة الأموية في الأندلس، هو الذي أوجد فكرة رباعية الأندلس لتقدم صورة شبه متكاملة تنقل تاريخ الأندلس من حكايات التاريخ إلى مربع الصورة.

ثم جاء ثاني أجزاء السلسلة وهو مسلسل “ربيع قرطبة” 2003 الذي يتناول سيرة الحاجب المنصور “محمد بن أبي عامر”، وقصة طموحه من طلب العلم إلى وصوله إلى الحكم، لكن المسلسل قدّم كذلك هذا الزخم الحضاري المتنوع في الأندلس كحاضرة تمثّل نموذجاً راقياً في التعايش بين المسلمين والمسيحيين وغيرهم وبين العرب وغيرهم، وأيضاً التنوع المعرفي ما بين علوم دينية وفنون وفلسفة، وكيف كانت الأندلس واحة لطلب العلم حتى للأوروبيين، كل ذلك في حوار بلاغي سلس درامياً وباهر صورةً وأداءً ونصّاً، وفي العام 2005 كان الجزء الثالث “ملوك الطوائف” يصوّر بداية سقوط الأندلس وانقسامها إلى إلى ممالك وطوائف، أما الفصل الأخير من هذه الرباعية فهو “سقوط غرناطة” الذي لم يخرج إلى النور بعد، والذي يمثّل مشهد النهاية وإسدال الستار على حاضرة المسلمين في الأندلس بسقوط غرناطة، سلسلة رآها المشاهد عميقة في التناول مُحكَمة في حبكتها الدرامية مزجت بين الفن والمتعة التاريخية، استطاعت أن تسلّط الضوء على هذا الجانب التاريخي للأندلس لتبقى في ذاكرة الأجيال.

هذه الأعمال المميزة التي أعاد الكثيرون الحديث عنها مؤخراً بعد وفاة مخرجها حاتم علي أواخر ديسمبر/كانون الأول 2020، تشير إلى أن الفن بإمكانه أن يشبع شغف الشعوب وفي ذات الوقت لا ينفصل عن قضاياهم وامتدادهم التاريخي، فلا تعارُض بين المعرفة والفن الهادف، وهو ما يوضح في رأيي الهوة والغياب أو التغييب الذي تعاني منه قضايا وحواضر إسلامية أخرى لا تقلّ أهمية عن الأندلس كتركستان الشرقية ومعاناة الروهينغيا وتدمير الشام والعراق والاستهداف الواضح لمسلمي الهند، فمن يصوّر معاناة هؤلاء قبل فوات الأوان؟ فنحن لم يعُد لدينا متسع أو نملك القدرة على بكاء أندلس جديدة.

شاهد أيضاً

كاتب أميركي يتحدث عن سبب “انزعاج إدارة بايدن” من السعودية

قال ديفيد إغناتيوس، الكاتب في واشنطن بوست، إن سجن ابن وابنة الضابط السابق في المخابرات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.