تناوب الحوار الذاتيّ بين الراوي والشخصية الرئيسة في رواية طوق الياسمين للروائيّ واسيني الأعرج

إبراهيم رسول

يأخذنا الرّوائيّ واسيني الأعرج في هذه الرّواية إلى أمكنةٍ رومانسيةٍ فيها من النزوع العاطفيّ الشيء الكثير, وهو في تنقلاته التي يأخذنا معه يوظف ثقافته الشرق_ الغرب) توظيفًا إبداعيًّا يُضمنه تضمينًا, الرّوائيّ المبدع أو قلْ الصانع الماهر بفنّه يُكثر من الشخصيات ويستطيع أنْ يتحكّمَ بها ويحاول أنْ يجعلَ منها شخصيات مؤثرة وفاعلة عند المتلقي, الشخصياتُ في هذه الرواية ليست بالكثرة المفرطة ولا بالقلّة التي تجعل منها رواية شخصية, بقدر ما هي تحكي عن شخصيات كثيرة ربما, فبعض الشخصيات تكون واحدة في الرواية إلا أنّ دِلالتها تتجاوز العد.

في رواية طوق الياسمين التي تحمل العنوان الفرّعيّ الكاشف عن هُوية ثيمتها المركزية, التي هي عبارة عن رسائل ومكاتبات في الحُبِّ والشوق والصبابة, هذه الرسائل تحملُ العديد من المضامين التي يدسّها الراوي بصورةٍ ضمنية ويحشرها حشرًا كأنّه يمارسُ عملية تلقائية , تبدو شخصية السارد واضحة مُهيمنة على آيديولوجيا السرد العام وهو نزوعٌ يميلُ إليه الكثير من كُتاب الرّواية في العالم, والراوي هو عارفٌ وعليم بعالمهِ وما يحصل فيه, فهو يسرد وقائعًا كثيرة كأنّها عايشها أو مرّت عليه, هذه المعرّفة الشاملة جعلته يبدو عليماً بكلِّ التفاصيل, لكنه يُعطي الشخصية حقّها في الحديث والتعبّير عن خلجاتها وبالأخصّ حينما يكون الحديثُ عن عاطفةٍ مُتأججةٍ في الرّوحِ, فالشخصية التي ملكت أغلب السرد هي شخصية الراوي العليم المُهيمن الأبرز على السرد وعلى خطاب السرد, شخصية واسيني ذاتها هي شخصية البطل الرئيس الذي تشارك مع شخصية مريم الثيمة العامة والديناميكية السردية في عموم الرواية, وما الشخصيات الأخرى إلا مكملات لعالم هذين البطلين الرئيسين أي ( واسيني ومريم) .
التناوبُ في السرد هو مصطلحٌ سرديٌ عرّفه الناقد جيرالد برنس في كتابه قاموس السرديات الذي ترجمه إلى العربية السيد إمام إذ يقول معرّفًا مصطلح التناوب: هو مجموعة من المتتاليات السردية, يرويها نفس المقتضى السردي أو مقتضيات أخرى. بحيث تعقب وحدات إحدى المتتاليات وحدات متتالية أخرى . إن بالإمكان القول بأن سردًا مثل كان جون سعيدًا وكانت ماري تعيسة, ثم طلق جون ماري وتزوجت ماري, ثم غدا جون تعيسًا وغدت ماري سعيدة, ينتج عن تعاقب وحدة واحدة . ( قاموس السرديات, جيرالد برنس, ترجمة السيد إمام, دار ميريت للنشر والمعلومات , الطبعة الأولى, سنة 2003, الصفحة: 14).

من خلال هذا التعرّيف نجد أنّ تعريف التناوب يكون بتبدل أحوال الشخصيات وتحويل ظروفها من تعاسة إلى حزن أو العكس, فلو طبقنا هذا التعريف على شخصيتيْ الرواية سنجد تقاربًا حقيقيًا مع نصّ التعرّيف.

تُصنّف الرّواية بأنّها روايةٌ عاطفيةٌ أقرب إلى سرد ذاتيّ تمثله شخصيتيْ البطل وحبيبته, القصّة في مجملها عبارة عن رسائلٍ في الشوق والحنين إلى وصل المحبوب, والمكاتبات نوعٌ قديم في الأدب العربيّ إلا أنّ توظيفه في الرواية ليس سهلًا ولمْ يُمارسه الكثرة من كُتاب السرد كونه يحتاج إلى معرّفةٍ موّسّعةٍ بأدبِ المراسلات التي تحصل بين شخصيتين, والكاتب قدْ جعل من هذه المراسلات وسيلة أو غطاء للتضمين الآيديولوجي الذي يبثه ويطلقه بين ثنايا حديثه وحواره مع مريم حبيبته.لغةُ الرّواية لغة غير عادية منسجمة ودفء المشاعر التي تُعبّر عنها, فهي مليئة بالإحساس العالي بالمفردات الرومانسية, هذه اللغة موفقة في التصوير عن الحالة التي يروم إيصالها للمتلقي, من خلال التعريف الذي عرّفنا به التناوب نحاول أنْ نُطبقَ النموذج من الرّواية, فالشخصية التعيسة هي شخصية مريم حينما أحبّت الراوي وكان سعيدًا بالحُبِّ معها, إلا أنّه لمْ يتزوجها, تزوجت صديقهما ( صالح) وعاشت معه حياة زوجية رتيبة لا مكان للمشاعر فيها, حاول زوجها أن يحبها إلا أنه لمْ يفلحْ! وبعد سنوات تقضيها بفراق الراوي الحبيب تعود إليه وتلتقي معه في شقتهِ الخاصّة, أرادت أنْ تنجبَ منه وتمنت لو كانت بنتًا! وبالفعلِ مارستْ معه الممارسة الحميمية وتحقق حلمها بأنْ تحمل منه, لكنها تموت هي وبنتها في لحظة الولادة, فينتقل البؤس والضياع والتشرد إليه, ويبقى هائمًا في متاهات الحياة دون أنْ يُرشدَ إلى استقرار حقيقيّ, هذا التناوبُ تمَ وفق ما أرادت له القصّة أنْ تُصوّره, هو تناوبٌ بين الفرح والتعاسة, بين الشقاء والرّاحة, هذا التناوبُ هو التقنية التي قامت عليها فكرة العمل الروائيّ بمجملهِ, لكنّ تحاول الرّواية تقديم نقدًا في قضايا حياتية غير منطقية وغير مقبولة, منها قضية زواج صالح من مريم على الرغم من معرّفته بعلاقتها مع الراوي حبيبها, هذه العلاقة غير المقبولة من ناحية أنّ الرجلَ غيورٌ جدًّا على أنثاه وقدْ يغفر لها كلّ شيء إلا قضية وجود رجلٍ في حياتها وبالأخصّ يكون على علمٍ تامٍ بالعلاقة! ومسألة ثانية هي قصّة الحبّ التي كانت بين سيلفيا وعيد عشاب, سيلفيا شابة مسيحية وعيد عشاب شابٌ مسلم, يتقدم لطلب يدها إلا أنّ أهلها يرفضون تزويجها منه ويُزوّجونها من رجلٍ من ذات الدّيانة المسيحية, يقول والد سيفليا لعيد عشاب: أنّ دينه سيقتله إن ارتدَ عنه! وهذا حينما قال عيد أنّه مستعدٌ لفعلِ أشياءَ مخالفة للواقع من أجلِ من يحبّها ! الرواية تمارس النقد الضمني غير المباشر, بلْ لو صحّ التعبّير أنْ نقولَ عنها أنّها روايةٌ ناقدةٌ لما جاوزنا الصواب في ذلك كثيرًا كون مضمونها هو الحبّ غير العادي غير الطبيعي, لمْ تقدمْ الرّواية تبريرات منطقية في مسألةِ رفض الحبيب من الزواج من حبيبته ! وبقيت هذه المسألة غامضة خاضعة لتأويلات قدْ تطولْ وقدْ تقصرْ إلا أنّها في حاجة ماسّة لتقديم مبررات ما يؤيد أو يعضد الحدث الروائيّ.

ثمةَ مؤاخذات على تقنية التناوب الروائيّ الذي اتخذه الكاتب, هذه المؤاخذات هي لأنَّ عالمَ الرواية عالمٌ يقتربُ من المرج بين الخيال والواقع ويتوسط بينهما, فلو تأمّلنا طبيعة المراسلات وكيف تمت وبأيّ زمنٍ لوجدنا أنّ غيابَ تام للزوج, وهذا لا يحصل في مجتمعاتٍ عربيةٍ تنظر للشرف على أنّه أقدسُ الأشياءَ فكيف يهبط به هذا الكاتب كلّ هذا الهبوط ويحاول أنْ يجعله بصورة غير مألوفة حتَّى عند أكثر الرجال شذوذًا, فمسألة الجنس وممارسته من شابة كان أبوها متزمتًا صارمًا مسألة يحاول أنْ يظهرها الكاتب بمظهر النفور, إذ من شدة قبض والدها وتشدده أصبح هذه البنت متمردة لأقصى غايات التمرّد, بلْ لعّلَ المسألةَ الأكثر غموضًا هي قضية موافقة وقبول هذا الوالد المتزمت الذي كان يعد المرأة للبيت فقط! فكيف وافق أنْ تدخلَ ابنته الجامعة أصلًا في بلدٍ غير بلدها, هي جزائريةٌ وتدرس في دمشق في العشرينات من عمرها, وهي شابةٌ جميلةٌ ذكية ولها عاطفة متأججة تنفجر انفجارًا عاطفيًا حينما تقع في غرام حبيبها الراوي. هذه التبريراتُ لمْ ينشغلْ بها الراوي بلْ جعلها خاضعة للتأويلاتِ عند المُتلقي, هذه جنبةٌ إيجابيةٌ إذ ليس على الكاتب أنْ يقدمَ المعلومات كلّها للمُتلقيّ دفعة واحدة وكأنّه يقدمُ مادةً علمية, بلْ هذه الرواية تعتمد التخييل والأدبية في بثِّ الأحداث وحتَّى البناءَ الفنّيّ كان بناءً إبداعيًا, وهندسة العمل تمت بتقنية سردية وكأنَّ الكاتبَ على معرفةٍ بنقد العمل الإبداعي قبل كتابتهِ, فالكُتاب المبدعونَ يقرؤونَ النقد الروائيّ ويقرأون آراء النقاد فيما يكتبون, لهذا تجد أنّ أسلوب البناء الذي قامت عليه الرواية ينسجم مع التعريف التقني العلّمي الذي قاله النُقاد وعدّوه مصطلحًا ثابتًا.

تقنيةُ التناوب هي التقنية التي تعطي المساحة الحرّة للرّوائيّ أنْ يبديَ مهارته الفنّيّة في البناء الفنّي, هذه التقنية تستلزم من المبدع أنْ يُكثرَ من المراجعة في الحكايتين ويسردهما حكاية تبدأ بتمهيد ومن ثم تقديم العرض والمعلومة إلى انْ تصلَ الذروة يتركها أو يتوقف عن الكتابة بعدها ليذهب إلى الحكاية الأخرى ويغرف في تفاصيلها ويتركها ويعود إلى الأولى وهكذا يكون السردُ بين أخذٍ وشدٍ وحرّكةٍ وسكون وصمتٍ وكلامٍ, في رواية طوق الياسمين يتناوب السارد بين شخصيتين في الحوار, فتجيء مريم العاشقة الجميلة المثقفة الجزائرية التي تدرس في دمشق تكاتبه وتحاوره في أدقِّ المواضيع التي صارت بينهما, ويأخذنا حديثها إلى الأدلجة التي يضمنها الكاتب عبر لسان مريم فتتوقف مريم عن الحديث ليأتي دور الراوي الذي ظلّ مخفيًا حتَّى نهاية الرّواية مما جعلنا نرجّح أنّه الكاتب ذاته! فيبدأ العاشق ببثِ عواطفه وإحساسه ومشاعره ليشارك حبيبته مشاعره الجيّاشة, فالحوارُ بينهما يتم وفق آلية التناوب, فلا تقاطع بينهما , الحديث الذي ينسجهُ يتفقُ والنزوع الآيديولوجي الذي يروم الكاتب المبدع بثّه وإطلاقه إلى المُتلقيّ.

هذه الرّواية تعتمد على تقنية واحدة هي التناوب, فتتناوبُ بين حكايتين, حكاية تأتي بعد حكاية وهكذا تتناوب الحكايتانِ السرد, وقوة التشويق تكمن في المهارة الفنّيّة التي يُجيدها المبدع, وما تجده في لغة الرواية هو التشويق المعتمد على مهارة البيان الكتابيّ, فلغةٌ الرواية لغة بديعة ولها بعد فنّيّ جميل للغاية وهي تصوّر الأشياءَ تصويرًا خياليًا كأنّك تشهد ما تقرأهُ, وهذه القدرة تدلُ على المهارة والدِربة في كتابة العمل الروائيّ. الرواية نافرة وبها جانب نقديّ لقضايا الحبّ والشوق والحنين, الروائيّ يريد أنْ يجعلَ من الحبّ القضية الأصّل في الزواج, لكنه لمْ يقدمْ النموذج الناجح في شخصيات روايته مما يجعل المتلقي يستبدل هذه العلاقة التي يحكمها الشرع الدّيني ويحميها القانون المدنيّ, فالعلاقةُ بين الرجلين الطبيعية غير ما قدمه الكاتب في هذه الرواية, فمريم ليست ناجحة في الزواج ولا حتَّى في الحُبِّ, فهي خائنة للزوج وغير متوافقة مع الحبيب, والنهاية التي آلت إليها شخصية مريم تدلُ على أنّ المرأةَ عبارة وسيلة لتفريغ الرغبات الشهوانية سواء العاطفية أو الجنسية للرجل!

ماذا تريد أنْ تقدمَه هذه الرّواية للقارئ, وهل من معنًى معنويًّ يجيء من وراء هذا الخطاب المؤدلج من بداية الرواية حتَّى نهايتها؟ لا أظنّ وفقت في تقديم صورة نموذجية للحالة الطبيعة التي كانت عليها شخصية الحبيبة مريم ولا حتَّى الحبيب الراوي ذاته!

أسلوبُ التناوب في الحوار كان ناجحًا من حيثِ التوقف والاستمرارية والقطع والوصل واللعب الفنّي من خلالِ عنصر التشويق الذي يُعد من أهم المميزات في البناء الفنّي الروائيّ.

 

 

شاهد أيضاً

الرفاعي: “ذكرى عاشوراء وحدت الصف الاسلامي”

قال المستشار في العلاقات الديبلوماسية الشيخ مؤمن مروان الرفاعي، في اختتام إحياء الذكرى السنوية لواقعة …