السيارة الكهربائية اختراع لبناني

يلاحظ الأَصدقاء، قراءً ومستمعين، أَنني – في مقالاتي ومحاضراتي – أُكرِّر التمييز بين لبنان الوطن الخالد الدائم الإِبداع في التاريخ، قديمِه والحديث، ولبنان الدولة الفاشلة المنكوبة بسُلالة أَهل سُلطَتها. وقد يخالُ البعض أَنني، بلبنان الإِبداع، أَقصد أَهل الأَدب والفن دون سواهم. مش صحيح. الإِبداع اللبناني لا يحصره أُفق ولا يحُدُّه زمن، فهو كالأَرز ناشب في الأَمس والآتي لا إِلى زوال.

من هذا الإِبداع اللبناني: فضاءُ العلوم. فلنتذكَّر حسن كامل الصبَّاح (ابن النبطية)، ومايكل دبغي (ابن مرجعيون)، ورمَّال رمَّال (ابن الدوَير)، وبيتر مدوَّر (ابن جونيه)، وسواهم كثيرين.

وأَذكُر هنا اللبناني مانوك مانوكيان الذي بثَّت قناة “بي بي سي” تقريرًا مصوَرًا عنه في 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2013، سرَدَ كيف كان سنة 1960 مدرِّسًا في معهد هايكازيان ونجح في تركيب مفاصل صاروخ وموادِّه العلمية اللازمة، سمَّاه “أَرز 1” أَطلقه من شاطئ ضبيه في 13 نيسان/أبريل 1961، طار نحو 1000 متر في الفضاء وسقَط في البحر قبالة صخرة الروشة، وكان الأَول من نوعه في العالم العربي، أَتبعه بصاروخ “أَرز 2” طار 2000 متر وسقَط كذلك في البحر. ويوم عيد الاستقلال سنة 1963 أَطلق صاروخًا آخَر قطع 140 كلم، فأَصدرت الدولة احتفاءً به طابعَين بريديَّين تذكاريَّين. وبعدما غادر إِلى تكساس ليُتمَّ الماجستر في العلوم، عاد إِلى لبنان وأَطلق سنة 1966 صاروخًا جديدًا صدَر الخبر عنه في الصفحة الأُولى من جريدتَي “النهار” و”الدايلي ستار”. لكنه لم يكمل نجاحاته تلك، بسبب حرب حزيران/يونيو 1967 ونصيحة من الدولة أَلَّا يُكمل تجاربه لأَسباب أَمنية حدودية، فهاجَرَ نهائيًا إِلى الولايات المتحدة.

مبدع آخر في العلوم: المهندس اللبناني رضا عبدالمنعم شعيتاني من بلدة أَنصار الجنوبية، الموظف في إِدارة اللاسلكي والاتصالات لدى الهيئة البريطانية، نجح سنة 1948 في تركيب سيارة تسير على الكهرباء بدل البنزين، وسجَل اختراعه لدى “مصلحة حماية الملْكية التجارية والصناعية في وزارة الاقتصاد” تحت الرقم 229 تاريخ 11 آب/أغسطس 1948، وجاء في مرسوم التسجيل: “إِن السيد رضا شعيتاني المهندس الكهربائي المقيم في بيروت، والذي سجل براءة اختراع سيارة تسير بقوَة الكهرباء بدون بنزين، أَي بدون مصروف وتولِّد حاجاتها بنفسها، يُمنَح براءة اختراع لمدة خمس عشرة سنة تبتدئ من 11 آب/أغسطس 1948”. يومها صدَر الخبر على الصفحة الأُولى من جريدة “الحياة” في عدد 24 آب/أغسطس 1948، وأَضافت “الحياة”: “علِمْنا أن شركات أَجنبيةً، مهتمَّة بهذا الاختراع، بدأَت تتصل بالسيد شعيتاني لاستثمار اختراعه تجاريًّا. وإِننا نهنِّئُه بهذا الاختراع، ونرجو أَن تساعده الحكومة على السير في هذا المضمار العلْمي الحيوي، ففي ذلك مصلحةٌ كبرى للبلاد وسِمْعتها”. لكن الحكومة، بنت هذه الدولة وأَهل هذه السلطة، لم تساعدْه ولم تدعمْه، فهاجَرَ يائسًا إِلى الولايات المتحدة، وتعرَّض لمحاولة اغتيال غامضة توفِّيَ بعدها بأَشهر سنة 1950 في ربيعه الثاني والأَربعين.

بلى… هذا هو لبنان الوطن، المجبولُ بذهب المبدعين، وذاك هو لبنان السلطة، المجبول بوُحُول السياسيين، ومن هنا تركيزي تكرارًا على لبنان الوطن – الدائم الإِبداع في التاريخ، قديمه والحديث – وانصرافي عن لبنان الدولة الفاشلة المنكوبة بسُلالة أَهل سُلْطَتها.

وإِلى أَن تنهض الدولة من جديد، بسُلطة جديدة نقية، سيظل انتمائي إِلى لبنان الوطن، لبنان اللبناني الخالد بمبدعيه الخالدين.

هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني. وهو مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: [email protected] أو متابعته على موقعه الإلكتروني: www.henrizoghaib.com أو عبر تويتر: @HenriZoghaib

شاهد أيضاً

اقامة ” المرحلة الثانية من دورة أعداد كوادر متخصصة لتعزيز التفتيش تطوعا””، بمبادرة من جمعية “الإرشاد القانوني والاجتماعي ” في بيروت

الزيات :” التعاون مستمر مع وزارة العمل لأعداد كوادر متخصصة لتعزيز التفتيش تطوعا” أقيم في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أعلان إيجارات واستثمارات

اعلان

أعلانات

اعلان